فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 128

حرر الإيمان من الخرافة، ونفى الحق من الشوائب، وربط الفطرة السليمة بالوحى، وصالح بين العقل والدين، وجعل الدنيا مهادا صالحا للأخرى.. إن محمدا ليس بشرا عاديا.. إذا كان الناس أجمعون قد خلقوا للعبادة، فإن محمدا كان النموذج الأكمل للعبودية المستكينة العانية المستسلمة لجلال الله، وإذا كانوا قد خلقوا ليظهر أيهم أحسن عملا، فإن محمدا حلق بسيرته في مستوى ترنو إليه الفلاسفة والأبطال والقادة العظام ثم يتمنون لو أدركوا غباره، ونضح عليهم سنا منه.. نعم ليس محمد بشرا عاديا، وقد درست حياة رؤساء وساسة ومفكرين ورجال سلام ورجال حروب، وأناسا واتتهم الحظوظ فبرزواه وآخرين كبت بهم الحظوظ ففشلوا.. وأبت بعد هذه الدراسة وأنا أحمل في نفسى تقديرا، خاصا لمحمد النبى الإنسان، النبى المربى، النبى الذى أصلح أخطاء القرون، ورد للعالم عقله الغائب، وكثير ما أودع تقديرى ذاك في الصيغة التى أمرنا بترديدها صيغة الصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله. استصحبت هذه العاطفة وأنا أطالع الصحائف الأخيرة من السيرة الناضرة وأتابع الكلمات التى قيلت في حجة الوداع، إن الخطبة التى ألقيت في هذه الحجة لا تستغرق بضع دقائق ولكنها أهم من خطاب يستغرق بضع ساعات، ولا عجب فصاحبها أوتى جوامع الكلم، واختصرت المعانى له اختصارا قوالب للحق، وأوعية للمعانى، وشفاء لما في الصدور، وذاك حسبهم من الأداء... وليس في خطبة الوداع شرائع جديدة، إنها ترديد لأحكام سبقت، أو تطبيق لأصول تقدمت، أو تلخيص لما استفاض شرحه، والمراد تذكير الناس عامة بما قد يحاول الشيطان زحزحتهم عنه أو تنسيتهم إياه.. وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشعر بأنه قارب النهاية، وأن الأمة التى أنشأها قد تشبثت بظهر الأرض وفرضت نفسها على التاريخ، وانتقل الأذان مع الرياح الأربع، وتوزعت جماعات الصلاة على أطراف الزمان، فهى تلتقى على طاعة الله قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.. ماذا بقى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت