فهرس الكتاب
السماء، ثم إلى الناس وهو يقول: اللهم اشهد اللهم اشهد". هذه هى المعانى التى شاء الرسول أن يؤكدها في حجته الأخيرة بالناس وهو يقول: أيها الناس، اسمعوا منى أبين لكم، فإنى لا أدرى: لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا..!. والوصايا التى أودعها النبىء ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضمائر الناس لا تتضمن قضايا فلسفية ولا نظرات خيالية، إنها مبادئ سيقت في كلمات سهلة سائغة، لكنها استوعبت جملة الحقائق التى يحتاج إليها العالم ليرشد ويسعد. وهى على وجازتها أهدى وأجدى من مواثيق عالمية طنانة. ذلك أن قائلها كان عامر الفؤاد بحب الناس والعطف عليهم، شديد الحرص على ربطهم بالله وإعدادهم للقائه، عميق الشعور بعبء البلاغ الذى أخذه على عاتقه، موقنا بأن الحياة الصحيحة يستحيل أن تتم بعيدا عن الله ووحيه.. وقد نأى المسلمون ـ في هذا العصر ـ عن مواريث نبيهم، وإذا كان الشيطان على عهد النبوة قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب.. وإذا كان الإسلام على عهد النبوة قد دفن النعرات الجاهلية والعصبيات الدموية، فإن هذا العصر جدد آمال الشيطان، بل نفخ فيها روح القوة... والعالم الإسلامى اليوم تتوزعه نحو مائة قومية، وتمشى جماهيره تحت مائة راية... وبعض هذه القوميات يقبل الإسلام ضيفا عليه ـ ضيفا فحسب ـ وبعضها الآخر تبلغ به القحة أن يعد نفسه بديلا عن الدين... وقد تفرسنا في هذه القوميات البديلة عن الدين كما يزعم أصحابها، فإذا الدين المزهود فيه هو الإسلام وحده! وإذا القوميات المنتحلة مصيدة استعمارية لطعن الإسلام وحده، والسماح بالمرور لكل دين آخر... والقوميات الكبيرة تتجول في محيط السياسة العالمية كأنها حيتان فاغرة فاها، تبتلع ما تريد، وقد استطاعت أن تصنع في إفريقية أكثر من خمسين قومية صغيرة، أقيمت وفق ص _134"