فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 128

عندما حضرت الوفاة الأديب الفرنسى"فكتور هيجو"جاءه القس ليشهد ساعته الأخيرة ـ أو ليغفر له حسب الشعائر الدينية عندهم ـ وأبى الأديب الكبير أن يستقبله، قائلا: لا حاجة لى بك، إننى أومن بالله وقد تصدقت بمالى.. لقد هزمتنى هذه القصة، وشعرت أن هذا الأديب الكبير أقرب إلى الله من كثيرين، لقد آمن بعقله، ولم يجئه نقل صحيح يستريح إليه وهو أولى بالله من رجل الدين الذى جاءه . وفى أرجاء الدنيا كثيرون من هذا الطراز، أقروا المعقول ورفضوا المنقول، ولهم عذرهم، وقد تحرك هؤلاء في ميادين العلوم الكونية والحيوية والإنسانية، وكانت أيديهم الطولى في صنع التقدم الحضارى الذى نشهده.. وتاريخ الغرب بعد عصر النهضة يحكى الصراع الدموى الذى دار بين الدين والعلم، والدين والحكم، والدين والاقتصاد.. الخ، والدين المشتبك في هذا الخصام ليس الإسلام بداهة فأين كان الإسلام؟ وكيف غاب عن هذه الفوْرة الخطيرة؟. أكره أن أدافع بالباطل عن قومى! إن قومى خذلوا دينهم، وناموا عن مطالبه، وغلبتهم شهوات نفسية وبدنية وغفلات عقلية واجتماعية، فحقت عليهم كلمة الله، ودفعوا ثمنا غاليا لانسحابهم من ميادين الحياة الصحيحة. لقد كان هذا الثمن غزوا عسكريا وثقافيا واجتماعيا فيه الغرب المتفوق، ومن ورائه الصليبية التى اصطلحت معه على أن تقوم بخدمته، ويقوم هو بتركها تؤدى دورها القديم. وكان أن ماجت بلاد الإسلام في فوضى لا ينقشع لها غيم إلا حل محله غيم أشد سوادا وأملأ بالشرور. والمدنية الحديثة نشأت من نشاط أرضى ولم تنبعث عن وحى سماوى! من أجل ذلك كانت الأنانية الطابع الأول لحملتها، وكان نسيان الله وجحدُ لقائه أمرا مألوفا فيها، ص _086

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت