الصفحة 41 من 49

ويتكلم ابن القيم رحمه الله في المدارج [1] ، فيقول:"المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون ، وإلى عَلَمِها [2] ، وعليها تفاني المحبون ، وبروح نسيمها تروح العابدون ، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح ، وقرة العيون ، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام ، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم والآم ، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي حتى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه ، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلاَّ بشق الأنفس بالغيها ، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها ، وهي مطايا القوم التي سراهم على ظهورهم دائمًا إلى الحبيب ، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب ، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة ، إذ لهم من محبة محبوبهم أوفر نصيب ، وقد قض الله يوم قَّدر مقادير الخلائق بمشيئتة وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب ، فيالها من نعمة على المحبين سابقة".

والمحبة لا توصف ولا تعرف إنما يعرفها من وجدها وذاقها ، وإنما البحث في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها [3] .

المبحث الثاني: بيان علامات المحبة:

(1) - مدارج السالكين 3 / 6 .

(2) - علم: جبل ومنه قول الخنساء في رثاء صخر:"وإن صخرًا لتأتم السراة به كأنه علم في رأسه نار".

(3) - فضل الغني الحميد 16 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت