فهرس الكتاب
أتذكر إذ كنا نباكر معهدًا ... حُميَّاه عِلْمٌ والسقاة أسود [1]
أتذكر إذ كنا قرينين عندما ... يحين صدورٌ أو يحين ورود
فأين ليالينا وأسمارها التي ... تُبلُّ بها عند الظماء كبودُ
ليالٍ قضيناها بتونسَ ليتها ... تعود وجيش الغاصبين طريد [2]
ولما قدم الشيخ الخضر تونس أثناء رجوعه من الآستانة سنة 1330هـ مرت الباخرة بالقرب من شاطئ (المرسى) حيث كان يقيم صديقه العلامة ابن عاشور، فقال الخضر:
قلبي يحيِّيك إذ مرت سفينتنا ... تُجاه واديك والأمواج تلتطم
تحيةً أبرق الشوق الشديد بها ... في سلكِ ودٍّ بأقصى الروح ينتظم [3]
4_ الإيثار: فهو من أحمد الخصال، وأجمل الخلال، وأعظم ما تحيا به المشاعر؛ فهو يقضي على جراثيم العداوة، ويقطع دابر سوء الظن، ويميت أسباب الأثرة والمبالغة في حب الذات، ويضمن _ بإذن الله _ دوام العشرة، وصفاء المودة.
قال الله _ عز وجل _ مثنيًا على الأنصار: [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] الحشر: 9.
فإذا شاع هذا الخلق الرفيع في المنزل، وفي السوق، وبين الأصدقاء، وفي قاعات العلم _ عمَّ الائتلاف، وقلَّ الخلاف.
قال أبو حيان التوحيدي: =سمعت أبا دُلَف الخزرجيَّ يقول: أنا أستجفي الشاعر الذي يقول:
والله لا كنت في حسابي ... إلا إذا كنت في حسابكْ
فإن تزرني أَزُرْكَ أو إن ... تقف ببابي أقف ببابكْ
(1) نباكر: نأتي مبكرين، والمعهد: جامع الزيتونة، والحميا: شدة الغضب وأوله، ويعني به هنا: النشاط، ويريد بالسقاة: أساتذة المعهد وما كان لهم من مهابة وإجلال في قلوب المتعلمين.
(2) ديوان خواطر الحياة للشيخ محمد الخضر حسين ص93_95.
(3) انظر ديوان خواطر الحياة ص231، وانظر كتاب الصداقة بين العلماء للكاتب ففيه نماذج كثيرة من هذا القبيل.