فهرس الكتاب
وكان يقول: ما هذه الغلظة، والفظاظة؟! وما هذه المكايسة والمصادقة؟! أفليس لو قابلك صاحبك بمثل هذا الأمر وقف الأمر بينكما؟ وانتكث حبل المودة عنكما؟ ودبَّت الشحناء في طي حالكما؟+ [1] .
وقال الشيخ الأديب العلامة محمد الخضر حسين مصورًا هذه المعاني في مقطوعة عنوانها =الأثرة بين الأصدقاء+:
سايرت خلًا في الهجير فحادَ عن ... ظلٍّ وآثرني ببرد هوائه
فأبيت أن أرد الظلال وصاحبي ... يلقى وهيج الشمس في غلوائه [2]
ولو احتسى الماءَ الزُّعاقَ حسوته ... عَبًَّا ولو جاء الفرات بمائه [3]
والود إن شابَتْه يومًا أثرةٌ [4] ... ذهبت معالمُ صدقه ووفائه [5]
5_ حسن الظن والتماس المعاذير: فذلك دأب النبلاء، وأدب الفضلاء ممن تمت مروآتهم، وكمل سؤددهم؛ فأعقل الناس أعذرهم للناس.
وإلا لو استرسل الإنسان مع سوء ظنه، وإغلاقه البابَ في وجه من يعتذر إليه لم يبق له صديق ولا صاحب إلا نفسه التي بين جنبيه.
قال الله _ عز وجل _: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ] الحجرات: 12.
وقال النبي": =إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث+ [6] ."
ويتأكد هذا الأمر مع من يكثر الإنسان من صحبتهم كالأصدقاء، والأقارب، والزوجة، والأولاد، ويزداد تأكيدًا في حق العلماء، والفضلاء.
فإذا لزمنا حسن الظن، والتماس المعاذير _ حفظنا لرجالنا مكانتهم، وحَمَلنا مَنْ يقصِّر في أي شأن من الشؤون إلى أن يرتفع بنفسه، وينأى عن مراتب الدون والهُون، وقطعنا الطريق على من يريد التشكيك بالأفاضل، والتنقيص من أقدارهم.
(1) الصداقة والصديق 41.
(2) وهيج الشمس: شدة توقدها.
(3) احتسى: شربه شيئًا فشيئًا، والزُّعاق: الماء المر الغليظ الذي لا يطاق شربه، والفرات: الصافي.
(4) الأُثرة: ضد الإيثار.
(5) خواطر الحياة ص23.
(6) رواه البخاري (5143 و 6606 و 6724) ومسلم (2563) .