فهرس الكتاب
بل إن المداراة قد تبلغ إلى إطفاء العداوة, وقَلْبِها إلى صداقة؛ فما أحوج المرء إلى هذه الخصلة الحميدة، خصوصًا مع من لابد له من معاشرته، أو ممن يتوقع الأذى منه.
قال ابن الحنفية ×: =ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بدًا حتى يأتيه الله منه بالفرج أو المخرج+ [1] .
وقال العتابي: =المداراة سياسة لطيفة،لا يستغني عنها ملك ولا سوقة، يجتلبون بها المنافع، ويدفعون بها المضار، فمن كثرت مداراته كان في ذمة الحمد والسلامة+ [2] .
وقال بعضهم: =ينبغي للعاقل أن يداري زمانه مداراة السابح في الماء الجاري+ [3] .
وقال الحسن: =حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المؤونة+ [4] .
وقال ابن حبان: =من التمس رضا جميع الناس التمس ما لا يدرك، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بُدًَّا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها،أو استقباح أشياء كان يستحسنها ما لم يكن مأثمًا؛ فإن ذلك من المدارة وما أكثر من دارى فلم يسلم , فكيف توجد السلامة لمن لا يداري ؟+ [5] .
قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب ÷:
يقول لك العقل الذي زين الورى ... إذا أنت لم تقدر عدوًا فداره [6]
وقال عبدالله بن جعفر: =كمال الرجل بخلال ثلاث:
معاشرة أهل الرأي والفضيلة، ومداراة الناس بالمخالقة الجميلة، واقتصاد من غير بخل في القبيلة، فذو الثلاث سابق، وذو الاثنين زاهق، وذو الواحدة لاحق، فمن لم تكن فيه واحدة من الثلاث لم يسلم له صديق، ولم يتحنَّن عليه شفيق، ولم يتمتع به رفيق+ [7] .
(1) روضة العقلاء ص 70.
(2) عين الأدب والسياسة ص 154.
(3) المرجع السابق.
(4) عيون الأخبار 3/22.
(5) روضة العقلاء ص 71ـ72.
(6) ديوان الإمام علي ص 106.
(7) الصداقة والصديق ص44.