(المأخذ الثامن: الدعوة إلى تطوير الدين وتجديده)
في حجة الوداع أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، أن الدين قد كمُل وأن نعمته على أمة محمد قد تمت بإتمام الدين. {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} . ومفهوم هذه الآية أن الأمة لا حاجة بها إلى تشريع جديد أو أحكام جديدة تضبط شئون حياتهم، وتقيم لهم شعائرهم، فقد كفوا مئونة ذلك.
والمبطلون من -أهل الأهواء - أصحاب المدرسة العقلية والعقلانيون الجدد- بدلوا وغيروا في دين الله بدعوى التطوير والتجديد في الدين. وزعموا أن ذلك لازم لمسايرة روح العصر ومتطلباته. وهذه الدعوة لم تظهر إلا بعد أن أطل الغرب على الشرق، وافتتن بعض مثقفي هذه الأمة بحضارتهم وبهرتهم بهرجها وزخرفها، فوجدوا في بعض الأحكام الشرعية ما لا يرضي الغرب، وتطبيقها على الأمة عائق يحول بينها وبين تطور الأمة وتحضرها-زعموا-، فلجئوا إلى النهوض بدعوة تطوير الدين مسايرة للعصر، وحقيقته تبديل الدين وتغير أحكام الشريعة.
ولقد تضايق محمد أبو زهرة من فكرة التطور وأصحابها فقال: (إن كلمة التطور تضايقني نفسيًا لأن الذين يرددونها خارج هذا المجلس - [مجلس أسبوع الفقه الإسلامي] - يريدون أن يحولوا الشريعة عن مقاصدها إلى ما يوافق أهواء واردة إلى مجتمعاتنا في عواصف ناسفة للحقائق الإسلامية، فيلغون الزكاة باسم تطور الاشتراكية، ويلغون الميراث باسم ذلك التطور أيضًا، ويكادون يلغون الزواج والطلاق باسم التطور. والذين يرددون كلمة التطور هنا، يؤمنون بالقوانين الأوربية أكثر من إيمانهم بالشريعة الإسلامية، ويؤمنون بالاقتصاد القائم أكثر من إيمانهم بالقرآن والسنة النبوية، ومصادر الشريعة جملة وتفصيلًا من أجل ذلك نتململ من كلمة التطوير) ... ثم قال: (إنهم يريدون التبديل، ولا يريدون إيجاد أحكام لما جد من أحداث ... يريدون أن تكون الشريعة محكومة لما يجري بين الناس لا حاكمة على ما يجري، وينسون أن الشريعة نزلت من عند الله لإصلاح المجتمع، وتنظيم العلاقات بين الناس) [أسبوع الفقه الإسلامي الثالث/1967م / ص152 (نقلًا من(العصرانيون بين مزاعم التجديد ... ص201) ] .
-نماذج:-
1 -المذهب الحق:
-قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومما جاء به الرسول: إخباره بأنه تعالى قد أكمل الدين بقوله سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} . ومما جاء به الرسول أمر الله له بالبلاغ المبين كما قال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} وقال تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل