(المأخذ الثامن: الدعوة إلى وحدة الأديان)
الدعوة إلى وحدة الأديان تضاد عقيدة الولاء والبراء، التي قررتها الشريعة. فإن الله جلّ في علاه لما أرسل رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أرسله للناس كافة وليس لجنس العرب قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سبأ: 28] فبطل بذا قول من زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسولًا إلى العرب فقط !.
وجعل شريعته خاتمة الشرائع ومن لم يؤمن بها ممن جاء بعده فهو في الآخرة خاسر: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] . ولاينفع إسلامٌ بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إلا الإسلام الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. قال صلى الله عليه وسلم (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) [رواه مسلم (153) ] . وبطل بهذا زعم من قال: إن الإسلام المراد في الآية السابقة هو الإسلام العام وليس الإسلام الخاص الذي جاءت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولما كان اليهود والنصارى وسائر المشركين يعبدون غير الله، أو يشركون معه آلهة أخرى، جاء التوجيه الرباني بمنابذة أهل الشرك والأوثان-ولو كانوا أقرب الأقربين -، والرغبة عنهم، والنهي عن موآدتهم ومحبتهم أو تقريبهم أو إعانتهم أو نصرتهم ... إلخ، {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة:22] .
ودعوى المفتونين أن اليهود والنصارى لهم كتب سماوية ولهم دين صحيح يجب اعتباره، دعوى مزخرفة بالقول مبتورة الحقائق. فأما الكتب السماوية؛ فنعم كان لهم كتب سماوية فالتوراة أنزلت على موسى، والإنجيل أنزل على عيسى، ولكن اعتراها التبديل والتحريف والزيادة والنقصان، ثم جاء القرآن وهيمن عليها {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة:48] مهيمنًا أي: مؤتمنا عليه وحاكمًا على ما قبله من الكتب المنزلة.
وأما دعواهم بأن اليهود والنصارى ليسوا كفارًا، فقد كفانا القرآن مئونة الرد عليهم: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) [المائدة (72) ] . وقال: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسَّنَّ الذين كفروا منهم عذابٌ أليم) [المائدة (73) ] . وقال تعالى: (وقالت اليهود يدُ الله مغلولة. غُلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف