الصفحة 45 من 61

فأهل المذاهب الأخر ليسوا كفارا ولا من أهل الكتاب. هذه الشبهة التي يضل بها المتكايسون من أهل الكتاب والمتفلسفة ونحوهم وبطلانها ظاهر ; فإنه كما علم علما ضروريا متواترا أنه دعا المشركين إلى الإيمان فقد علم بمثل ذلك أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به وأنه جاهد أهل الكتاب كما جاهد المشركين: فجاهد بني قينقاع وبني النضير وقريظة وأهل خيبر وهؤلاء كلهم يهود وسبى ذريتهم ونساءهم وغنم أموالهم وأنه غزا النصارى عام تبوك بنفسه وبسراياه: حتى قتل في محاربتهم زيد بن محمد مولاه الذي كان تبناه وجعفر وغيرهما من أهله وأنه ضرب الجزية على نصارى نجران. وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده: جاهدوا أهل الكتاب وقاتلوا من قاتلهم وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون. وهذا القرآن الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به: مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى اتباعه ويكفر من لم يتبعه منهم ويذمه ويلعنه ; والوعيد له كما في تكفير من لم يتبعه من المشركين وذمه والوعيد كما قال تعالى: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم} الآية وفي القرآن من قوله يا أهل الكتاب يا بني إسرائيل: ما لا يحصى إلا بكلفة. وقال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} الآية. إلى قوله. {خير البرية} ومثل هذا في القرآن كثير جدا. وقد قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض} وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} . واستفاض عنه صلى الله عليه وسلم: (فضلت على الأنبياء بخمس) ذكر فيها أنه قال: (كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى الجن والإنس ; فإذا علم بالاضطرار بالنقل المتواتر - الذي تواتر كما تواتر ظهور دعوته - أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به وأنه حكم بكفر من لم يؤمن به منهم وأنه أمر بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وأنه قاتلهم بنفسه وسراياه وأنه ضرب الجزية عليهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وغنم أموالهم. فحاصر بني قينقاع ثم أجلاهم إلى أذرعات وحاصر بني النضير ثم أجلاهم إلى خيبر ; وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر. ثم حاصر بني قريظة لما نقضوا العهد وقتل رجالهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم وقد ذكره الله تعالى في سورة الأحزاب: وقاتل أهل خيبر حتى فتحها وقتل من قتل من رجالهم وسبى من سبى من حريمهم وقسم أرضهم بين المؤمنين وقد ذكرها الله تعالى في سورة الفتح: وضرب الجزية على النصارى وفيهم أنزل الله سورة آل عمران: وغزا النصارى عام تبوك وفيها أنزل الله سورة براءة. وفي عامة السور المدنية ; مثل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وغير ذلك من السور المدنية من دعوة أهل الكتاب وخطابهم ما لا تتسع هذه الفتوى لعشره. ثم خلفاؤه بعده أبو بكر وعمر ومن معهما من المهاجرين والأنصار الذي يعلم أنهم كانوا أتبع الناس له وأطوعهم لأمره وأحفظهم لعهده: وقد غزوا الروم كما غزوا فارس وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس فقاتلوا من قاتلهم وضربوا الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون) [الفتاوى: 4/ 203 - 205] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت