وهذه الخيارات كلها لولي المقتول يطالب الحاكم بما شاء منها، وعلى الحاكم أن يمكنه من أيها شاء، ولا يجوز لولي المقتول أن يقتص بنفسه ويثأر لمقتوله دون الرجوع للحاكم، قال القرطبي رحمه الله: (( لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولوا الأمر، فرضٌ عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وغير ذلك، لأن الله سبحانه طالب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود ) ) (6) فإن لجأ ولي المقتول إلى السلطان وطالب بالقصاص فقام السلطان بنصره وتمكينه من استيفاء حقه حُقنت الدماء، وحفظت الأرواح، وتحقق الأمن، واستقرت الحياة، كما قال تعالى:"ولكم في القصاص حياة" [البقرة:179] حياة بكف يد الذين يهمون بالاعتداء على الأنفس والقصاص ينتظرهم، فيردعهم قبل الإقدام على الفعلة النكراء. وحياة بكف يد أصحاب الدم أن تثور نفوسهم فيثأروا ولا يقفوا عند القاتل، بل يمضوا في الثأر، ويتبادلوا القتل فلا يقف هذا الفريق وذاك حتى تسيل دماء ودماء. وحياة يأمن كل فرد على نفسه ويطمئن إلى عدالة القصاص، فينطلق آمنا يعمل وينتج فإذا الإمة كلها حياة.
وإن لم يلجًا ولي المقتول إلى السلطان، أو لجأ إليه فلم ينصره كما أمر الله، كان الإسراف في القتل الذي نهى الله عنه بقوله:"فلا يُسرف في القتل إنه كان منصورا"والأسراف في القتل له صور كثيرة:
منها: أن يقول أولياء المقتول: الصغير منا بالكبير منهم.
ومنها: أن يتركوا القاتل ويقتلوا من أمكنهم قتله.
ومنها: أن يقتلوا القاتل ويمثلوا به. كذلك كانت العرب تفعل في الجاهلية، فجاء الإسلام فقال:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" [البقرة:178] .