الصفحة 39 من 51

(والاستحباب مقيد عند الجميع بأن لا يؤدي صوم الدهر إلى تقصير في أداء الحقوق والواجبات، أو يخاف الصائم ضررًا على نفسه، فإن أدى لذلك فيكره حينئذ عند الشافعية والحنابلة، ويجوز عند المالكية) .

واستدل هؤلاء:

أ-بحديث حمزة بن عمرو عند مسلم (أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم) وموضع الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه سرد الصوم.

ب- ولحديث أبي موسى. قال - صلى الله عليه وسلم - (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم) .

قال النووي رحمه الله: ومعنى: (ضيقت عليه) أي: عنه، فلم يدخلها.

وحملوا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو (لا أفضل من ذلك) أي في حقك، فيلتحق به من في معناه ممن يدخل فيه على نفسه مشقة، أو يفوت حقًا، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، فلو السرد ممتنعًا لبينه له، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ج-ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في صيام ثلاثة أيام من كل شهر (كصيام الدهر) . متفق عليه

قالوا: فدل على أن صوم الدهر أفضل مما شبه به، وأنه أمر مطلوب.

د- أنه فعل بعض الصحابة كعائشة وعثمان وأبو طلحة.

عن ابن عمر أنه سئل عن صيام الدهر فقال: (كنا نعد أولئك فينا من السابقين) .رواه البيهقي

وعن عروة أن عائشة (كانت تصوم الدهر في السفر والحضر) رواه البيهقي بإسناد صحيح.

وعن أنس قال (كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل الغزو , فلما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - لم أره مفطرًا إلا يوم الفطر أو الأضحى) رواه البخاري في صحيحه.

هـ-عموم الآيات والأحاديث الدالة على فضل العبادة وعمل الخير:

منها قوله تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) .

• بما أجاب الجمهور عن أدلة من قال بالمنع؟

أجابوا بما قال النووي رحمه الله:

أحدها: جواب عائشة رضي الله عنها وتابعها عليه خلائق من العلماء، أن المراد: من صام الدهر حقيقة، بأن يصوم معه العيد والتشريق , وهذا منهي عنه بالإجماع.

الثاني: أنه - يعني حديث (لا صام من صام الأبد) - محمول على أن معناه أنه لا يجد من مشقته ما يجد غيره، لأنه يألفه ويسهل عليه، فيكون خبرًا لا دعاء , ومعناه لا صام صومًا يلحقه فيه مشقة كبيرة , ولا أفطر، بل هو صائم له ثواب الصائمين.

والثالث: أنه محمول على من تضرر بصوم الدهر أو فوت به حقا , ويؤيده أنه في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كان النهي خطابًا له , وقد ثبت عنه في الصحيح أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة , وكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يضعف عن ذلك , وأقر حمزة بن عمرو - سيأتي حديثه فيما بعد - لعلمه بقدرته على ذلك بلا ضرر. (المجموع) .

• بما أجاب أصحاب القول الأول عن أدلة من قال بالجواز؟

أجابوا:

وقد أجاب ابن حزم عن حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وغيره من الصحابة الذين ورد أنهم كانوا يسردون الصوم: بأن سرد الصوم ليس هو صيام الدهر كله، وإنما هو متابعة الصيام لأشهر طويلة حتى يقال: لا يفطر، ولكن ليس صيام العام كله، وروي عن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - النهي الصريح عن صيام الدهر.

أولًا: أنه موقوف لا يعارض به المرفوع.

ثانيًا: وصح عن بعض السلف أنهم كانوا يمنعون من يصوم الدهر.

ثالثًا: نصوص المنع أقوى من نصوص الجواز.

والراجح القول الأول.

• اختلف المجيزون لصيام الدهر بالشرط المتقدم، أيهما أفضل: صوم الدهر أم صوم داود؟

فقيل: صوم الدهر أفضل.

لأنه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا.

وقيل: صيام داود أفضل.

لقوله - صلى الله عليه وسلم: ( ... صم يومًا وأفطر يومًا، فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود) . متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت