يترجح من حيث المعنى بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق، وبأن من اعتاده فإنه لا يكاد يشق عليه بل تضعف شهوته عن الأكل والشرب، وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا، ويألف تناوله في الليل، بحيث يتجدد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنه ينتقل من فطر إلى صوم، ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام، ويأمن مع ذلك غالبًا تفويت الحقوق.
بَابُ اَلِاعْتِكَافِ وَقِيَامِ رَمَضَانَ
• الاعتكاف لغة: الإقامة، يقال: عكف بالمكان إذا أقام فيه، ومنه قوله تعالى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) .
وشرعًا: لزوم المسجد بنية مخصوصة لطاعة الله وتفرغًا لعبادته.
وقيام رمضان: المراد الصلاة التي تصلى في رمضان بعد العشاء، وهي صلاة التراويح.
697 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. [قاله النووي]
ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد في شهر رمضان ومعه ناس، ثم صلى الثانية فاجتمع الناس أكثر من الأولى، فلما كانت الثالثة أو الرابعة امتلأ المسجد حتى غض بأهله، فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل الناس ينادونه فقال: أما إنه لم يخفَ علي أمركم، ولكن خشيت أن تكتب عليكم) .
زاد البخاري (فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر على ذلك) .
(إِيمَانًا) أي تصديقًا بوعد الله بالثواب عليه.
(وَاحْتِسَابًا) أي طلبًا للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، لكن أكثر العلماء على أن المراد الصغائر [وسبقت المسألة] .
• ما المراد بقيام رمضان بقوله (من قام رمضان) ؟
المراد بها صلاة التراويح.
• ماذا نستفيد من الحديث؟
نستفيد: فضل قيام رمضان والترغيب فيه.
قال النووي: هي سنة بالاتفاق.
وفي الحديث (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتبت له قيام ليلة) .
• لماذا سميت بالتراويح؟
قال ابن حجر: سميت الصلاة في جماعة في ليالي رمضان التراويح، لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين.
• من أول من جمع الناس لصلاة التراويح؟
وأول من جمع الناس عليها عمر.
فقد روى البخاري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - لَيْلَةً فِى رَمَضَانَ، إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ).
(أوزاع) بسكون الواو، أي: جماعة متفرقون.
قوله (فجمعهم على أبي بن كعب) أي جعله لهم إمامًا، وكأنه اختاره عملًا بقوله - صلى الله عليه وسلم - (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وقال عمر: (أقرؤنا أبي) .
• هل الأفضل أن تصلى جماعة أو فرادى؟
الأفضل صلاتها جماعة:
أ-لإقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - لها كما سبق.
ب-ولحديث أبي ذر السابق (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) .
• ما السبب في عدم استمرار النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها؟
خشية أن تفرض عليهم صلاة الليل في رمضان، فيعجزون كما سبق في حديث عائشة.
• هل يشرع للنساء حضورها؟
نعم، بشرطه.
وقد روى سعيد بن منصور من طريق عروة (أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء) .
• كم عدد ركعاتها؟
عدد ركعاتها (11) ركعة.
عن عائشة قالت (ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) رواه مسلم
وجاء عند مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال (أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة) .
ولكن هذا الفعل منه - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على وجوب هذا العدد، فتجوز الزيادة, فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي, وله أن يصلي ستًا وثلاثين، كما هو مذهب مالك, وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة.