فهرس الكتاب
- 📄
مشدد عليهم فيه دون غيرهم قال وكذلك بلغني أن بنانًا الحال لم يكن يدخر شيئًا لغدو ولا يبيته من النهار فحدثني بعض الأشياخ عمن رآه وقد دفع إليه بمكة كيا فيه خمسمائة درهم قال فصره صر راو جعلها في ركوته ثم طاف بها على دور حول المسجد الحرام فجعل يلقيها إلى الفقراء صرة صرة وهو يمشي حتى أنفذها فقلت لا نظرن من أين فطره هذه الليلة إذ لم يترك لنفسه شيئًا فلما كان بين العشاءين طاف في الوادي طوفة ومد يده وقال ثم شيء لله فجعل في كفه وسعه فعدل إلى باب الصفا فقعد فاكله وشرب من ماء زمزم ودخل الطواف قال فسألته عن ذلك من الغد فقال ما حدثت نفسي أن أعيش إلى الليل ولو قوى في قلبي ذلك لحبست منه القوت فهذا طريق هؤلاء سلكوه براده بتقوى مثلهم إذ جعلت قلوبهم أوعية لمراده وحدثت عن بعض العارفين قال رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت وكان الناس يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة وأعلاهم طريقًا وأسرعهم سبقًا فقلت هذه أفضلهم أكون فيها فذهبت لاخطو إليهم وأدخل معهم في طريقهم فإذا بملائكة حولهم قد منعوني وقالوا قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت تمنعوني مع هؤلاء السابقين فقالوا هذا طريق لا يسلكه إلا من لم يكن له إلا قبض واحد ومن كل شيء واحد وأنت لك قميصان ومن أشياء قال فانتهت باكيًا حزينًا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدًا والله أعلم.* (الفن الثالث في بيان مباشرة الأسباب الدافعة للضرر المعرض للخوف) *
(اعلم) وفقك الله تعالى (أن الضرر قد يعرض للخوف في نفس أو مال وليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة) للضرر (رأسًا أمافي النفس فكالنوم في أرض مسبعة) أي ذات سباع (أو في مجاري السيل من الوادي أو تحت الجدار المائل إلى السقوط أ,) تحت (السقف المنكسر فكل ذلك منهى عنه وصاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فائدة) ولا يصح توكله في شيء من ذلك ولو مات مات عاصيًا (نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها ومظنونة وإلى موهومة فترك الموهوم فيها من شرط التوكل) ومن أعمال المتوكلين (وهي التي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكي والرقية) والطيرة فإنها أسباب مسبباتها عنها موهومة لا مقطوع بها ولا مظنونة (فإن الكي والرقية قد يقدم بهما على المحذور دفعًا لما يتوقع) أي يتوهم من الشفاء (وقد يستعمل بعد نزول المحذور للإزالة) والدفع (ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصف المتوكلين) في قصة عكائة (إلا بترك الكي والرقية والطيرة) فقال هم الذين لا يكتوون ولا يرقون ولا يتطيرون (ولم يصفهم بأنهم إذ اخرجوا إلى موضع لم يلبسوا جبة والجبة تلبس للبرد المتوقع وكذلك كل ما في معناها من الأسباب) فالكي والرقي والطيرة من الدرجات المتوسطة بين الدرجتين والمتوسط بين طرفين مشكل في كل حال وظاهر سياق المصنف دال على بطلان التوكل بذلك تبعًا لصاحب القوت وقال الكمال محمد بن اسحق الصوفي الصحيح عندي أنه يبطل كما له لا أصله لأن الحديث ورد في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (نعم الاستظهار باكل الثوم مثلًا عند الخروج إلى السفر في الشتاء تهيجًا لقوة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمق في الأسباب والتعويل عليها فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة ولترك الأسباب الدافعة) من الضرر (وان كانت مقطوعة) بها (وجه فإذا ناله الضرر من إنسان فإنه إذا أمكنه الصبر وأمكنه الدفع والتشفي) والانتصاف منه (فشرط التوكل الاحتمال والصبر) على الأذى من الفعل وترجيح جانبه على جانب الدفع (وهذا هو توكل الخصوص قال الله تعالى) لنبيه صلى الله عليه وسلم (فاتخذه وكيلًا واصبر على ما يقولون) أي توكل عليه واستعمل الصبر (وقال تعالى) حكاية عن الرسول عليه السلام (ولنصبرن على ما اذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال عز وجل) حين أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتأسى بهم في قوله أولئك الذين هدى الله فهداهم اقتده فقال (ودع أذاهم وتوكل على @