فهرس الكتاب
- 📄
المشاهدة وإنما لم يترك استعمال الدواء حريًا على سنة الله وترخيصًا لمته فيما تمس إليه حاجاتهم) من الضروريات مع أنه لا ضرر فيه لأنه من أمور الآخرة (بخلاف إدخار الأموال فإن ذلك يعظم ضرره نعم التداوي لا يضر إلا من حيث رؤية الدواء نافعًا دون خالق الدواء وهذا أمر نهى عنه ومن حيث أنه يقصد به الصحة ليستعان بها على المعاصي وذلك منهي عنه) وكذلك إذا كان يستعان بالصحة على البطالة وإضاعة العمر في الفضول فهذا أيضًا قد نهى عنه (فالمؤمن في غالب الأمر لا يقصد ذلك وأحد من المؤمنين لا يرى الدواء نافعًا بنفسه بل من حيث أنه جعله الله سببًا للنفع كما لا يرى الماء مرويًا ولا الخبز مشبعًا فحكم التداوي في مقصوده كحكم الكسب فإنه أن اكتسب للاستعانة حتى على الطاعة أو على المعصية كان له حكمها وأن اكتسب للتنعم المباح فله حكمه) قال صاحب القوت الأصل في التداوي وتركه أن المتوكل قد علم أن للعلة وقتًا إذا انتهت إليه برأ العليل بإذن الله تعالى لا محالة ولكن الله عز وجل قد يحكم أنه أن تداوى شفاه في عشرة أيام وأن لم يتداو أبرأه في عشرين يومًا فيترخص العليل بإباحة الله له فيطمع في تعجيل البرء في عشرة أيام ليكون أسرع لشفائه وأقرب إلى عافيته على أنه معتقد أن الدواء لا يشفى وأن التداوي بعينه لا ينفع لأن الله تعالى هو الشافي وهو النافع فالشفاء والنفع فعله بعبده وجعله في الدواء من لطائف حكمته لا يجعله سواه ولا يفعله إلا إياه إذا كانت العقاقير مطبوعة مجعولة مجبولة على خلقها فجاعل الأسباب فيها هو جابلها لأن الجعل فيها والخاصة منها ليس من عمل المتطبب وأن كان يعمل بها ويجمع بينها وبين العليل لأنه أظهر على يد سببًا لرزقه فإن الله تعالى خالق جميع ذلك وفاعله وكذلك أيضًا عند العارفين الخبز لا يشبع وأن الماء لا يروي كما أن المال لا يغني والعدم لا يفقر لأن الله سبحانه هو المطعم المسقي كهو المشبع المروي كما هو المغني المفقر بما شاء كيف شاء وهو جاعل الشبع والري في المطعوم والمشروب وفي النفس بالغني والفقر بحكمته ورحمته كما أن الله عز وجل هو المجيع المظمئ فيدخل الطعام والشراب على الجوع والعطس اللذين جعلهما فيذهبهما بما أدخل عليهما كما يدخل الليل على النهار ويدخل النهار على الليل فيغلب سلطان كل واحد على الآخر فيذهبه سواء هذا اعتد الموحدين من صفة الليل والنهار ومن العلل والأدوية بتسليط الشيء على ضده فيزيله بغلبة قهر بإذنه فالعلم بهذه المعاني عقدًا هو الإيمان والشهادة لها قائمة به وجدًا هو اليقين والشرك في هذه الأشياء في العوام أخفى من دبيب النمل على الصفا والموقنون الصحيح والتوحيد من جميع ذلك برآء فإن تعجل العليل البرء بالتداوي كان ذلك بقضاء الله وقدره على وصف السرعة من المعافاة فإن كان ناويًا في تداويه واستعجال شفائه الطاعة لمولاه والقيام بين يديه للخدمة كان مثابًا على ذلك فاضلًا فيه غير منقوص في مقام توكله وأن أراد بذلك صحة جسمه لنفسه ولنعيم بالعوافي فإن ذلك باب من أبواب الدنيا ودخول فيما أبيح منها وهو يخرجه من فضيلة التوكل وحقيقته بمقدار ما نقصه من الزهد في الحياة والنعيم وأن أراد باستعجال العوافي قوة النفس لأجل الهوى والسعي في مخالفة المولى كان مأزورا بسوء نيته ووجود عزيمته ويخرج من المباح إلى الحظر وذلك يخرج من حد التوكل وأوله وهذا من مذموم أبواب الدنيا ومقوتها وأن كانت نيته في تعجيل العوافي التصرف للمعاش والتكسب للإنفاق أو الجمع نظر في شأنه فإن كان يسعى في كفاف وعلى عيلة ضعاف وعن حاجة وإجحاف لحق هذا بالطبقة الأولى وهذا باب من أبواب الآخرة وهو عليه مأجور ولا يخرجه من التوكل وأن كان يسعى في تكاثر وتفاخر ولا يبالي من أين كسب وفيما أنفق الحق هذا بالطبقة الثالثة من العاصين وهذا من أكبر أبواب الدنيا وما أبعده من المولى فذه نيات الناس في التداوي المحمودة والمذمومة (فقد ظهر بالمعاني التي أوردناها أن ترك التداوي قد يكون أفضل في بعض الأحوال وأن التداوي قد يكون أفضل في بعض وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والنيات وأن واحدًا من الفعل أو الترك ليس شرطًا في التوكل الأتراك الموهومات) التي هي (كالكي والرقي فإن ذلك تعمق في التدببرات لا يليق بالمتوكلين) والله الموفق @