فهرس الكتاب
- 📄
والجمال موجود في غير المحسوسات اذ يقال هذا خلق حسن وهذا علم حسن وهذه سيرة حسنة وهذه اخلاق جميلة وانما الاخلاق الجميلة يراد بها العلم والعقل والعفة والشجاعة والتقوى والكرم والمروأة وسائر الخير وشىء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة التى هى اقوى من نور البصر الظاهر وكل هذه الخصال الجميلة محبوبة والموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته واية ذلك وان الامر كذلك ان الطباع مجبولة على حب الانبياء صلوات الله عليهم وعلى حب الصحابة رضى الله عنهم مع انهم لم يشاهدوا ذواتهم بالابصار ولا لحقوا اعصارهم بل على حب ارباب المذاهب المتبوعةمثل الشافعى وأبى حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم رحمهم الله تعالى حتى ان الرجل قد يجاوز حبه لصاحب مذهبه حد العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في امامه ومتبوعه فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب وأكثر ذلك في ديار خراسان فيما سبق من الزمان وليت شعرى من يحب الشافعى مثلا فلم يحبه ولم يشاهد قط صورته ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته فاستحسانه الذى حمله على افراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة فان صورته الظاهرة قد انقلبت ترابا مع جملة التراب وانما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والاحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لافادة علم الشرع بين الناس ولنشره هذه الخيرات في العالم وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها الا بنور البصيرة الباطنة فاما الحواس فقاصرة عنها أى عن ادراكها وكذلك من يحب أبا بكر الصديق رضى الله عنه ويفضله على غيره ويقدمه عليه ويحب عليا رضى الله عنه ويفضله على غيره ويقدمه عليه ويتعصب له فلا يحبهم الا لاستحسان صورهم الباطنة من العلم والدين والتقوى والشجاعة والكرم وغيره من خصال الخير فمعلوم ان من يحب الصديق رضى الله عنه مثلا ليس يحب عظمه ولحمه وجلده واطرافه وشكله اذ كل ذلك زال وتبدل وانعدم ولكن بقى ماكان الصديق به صديقا وهى الصفات المحمودة التى هى مصادر السير الجميلة ومن جملة ذلك السر الذى كان وقر به صدره فكان الحب باقيا ببقاء تلك الصفات مع زوال جميع الصور وتلك الصفات ترجع جملتها الى العلم والقدرة اذ علم حقائق الامور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته فجميع خلال الخير تتشعب على هذين الوصفين وهما غير مدركين بالحس ومحلهما من جملة البدن جزء لايتجزأ فهو المحبوب بالحقيقة وليس للجزء الذى لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر بالبصر حتى يكون محبوبا لاجله فاذا الجمال موجود في السير ولو صدرت السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبا فالمحبوب مصدر السيرة الجميلة وهى الاخلاق الحميدة والفضائل الشريفة وترجع جملتها الى كمال العلم والقدرة وهو محبوب@