فهرس الكتاب
- 📄
لهم من قرة أعينوكما اخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم انه اعد لهم مالا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشروذلك فيما قاله حاكيا عن ربه عز وجل أعددت لعبادى الصالحين الحديث رواه البخارى من حديث ابى هريرة وهذا الان لايعرفه الا من ذاق اللذتين جميعا فانه لامحالة يؤثر التبتل والتفردعن الخلق والفكر والذكرويرابط قلبه على المراقبة وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرياسةوالاستعلاء ويستحقر الخلق الذين يرؤسهم ويعلو عليهم لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته وكونه مشوبا بالكدورات التى لا يتصور الخلو عنها ولا عن القدرة وكونه مقطوعا بالموت الذى لابد من اتيانه مهما أخذت الارض أى ارض الوجود زخرفتها أى زينتها وازينت أى تلألأت بكمال بهجتها وظن أهلها انهم قادرون عليها وتمام الاية أتاها أمرنا ليلا أو نهارا والمراد باتيان الامر هو الموت فليستعظم بالاضافة اليها لذة معرفة الله تعالى ومطالعة صفاته العلية وأفعاله ومعاملاته مع عبيده ونظام مملكته من أعلى عليين الى أسفل السافلين فانها خالية عن المزاحمات والمدافعات والمكدرات متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكثرتها وانما عرضها من حيث التقدير السموات والارض واخراج النظر عن المقدرات فلا نهاية لعرضها فلا يزال العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات والارض وانما خص العرض دون الطول لان الطول تابع للعرض أو لان العرض أقل من الطول فاذا كان عرضها هكذا فمابالك بطولها يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها ويكرع في حياضها وهو امن من انقطاعها اذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة فما من ثمرة يقطفها الا وينبت مكانها مثلها وأحسن منها ولا حرج على قاطفها ثم هذه أبدية سرمدية لا يقطعها الموت اذ الموت لايهدم محل معرفة الله تعالى ومحلها الروح الذى هو أمر ربانى سماوى انما الموت يغير أحوالها ويقطع شواغلها وعوائقها ويجردها عنها ويخليها من حبسها فاما ان يعدمها فلا قال الله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون الاية وتمامها فرحين بما اتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ولا تظنن ان هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فان للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد في المعركة وفى الخبر ان الشهيد يتمنى في الاخرة ان يرد الى الدنيا فيقتل مرةاخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة رواه الشيخان من حديث انس وقد تقدم وفى الخبر أيضا ان الشهداء يتمنون لو كانوا علماء لما يرونه من علو درجة العلماء فاذا جميع أقطار ملكوت السموات والارض ميدان العارف يتبوأ منه حيث يشاء من غير حاجة الى ان يتحرك اليها بجسمه وشخصه فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات والارض وكل عارف فله مثلها من غير ان يضيق بعضهم على بعض أصلا الا انهم يتفاوتون في سعة تنزهاتهم بقدرة تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم وهم درجات عند الله ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر ان لذة الرياسة وهى باطنة اقوى في ذرى الكمال من لذات الحواس كلها وان هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا لصبى ولا لمعتوه اذ لاعقل لهم وان لذة المحسوسات والشهوات تكون@