فهرس الكتاب
- 📄
* ومن الدلائل أن تراه خائفا * عن أعين في زي عبد خامل * (بيان معنى الانس بالله عز وجل) * اعلم انه (قد ذكرنا) فيما سبق (ان الانس والخوف والشوق من آثار المحبة) ومن ثمراتها (الا ان هذه آثار مختلفة تختلف على المحب بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته فاذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب الى منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الاطلاع على كنه الجلال) لصعوبته (انبعث القلب الى الطلب وانزعج له وهاج اليه وتسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقا وهو بالإضافة الى أمر غائب) نظره (واذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف) والمعاينة (وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت الى مالم يدركه بعد استبشر القلب بما يلاحظه فيسمى استبشاره أنسا) الا ان الشوق أفضل من الانس لان الأنس قصر نظره على ما انكشف له من الجمال ولم يمتد نظره الى اشكال ما غاب عنه والمشتاق كالعطشان الذى لا ترويه البحار لمعرفته بان الذى انكشف له من الامور الالهية بالنسبة الى ما غاب عنه كالذرة بالنسبة الى سعة الوجود وقد تقدم تحقيقه (وان كان نظرة الى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر امكان الزوال والبعد تألم بهذا الاستبشار فيسمى تألمه خوفا) وقد تقدم تحقيقه في كتاب الخوف (وهذه الاحوال تابعة لهذه الملاحظات والملاحظات تابعة لأسباب تفتضيها لا يمكن حصرها) لكثرتها (فالأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال) والكمال والقرب ما انكشف له منها (حتى أنه اذا غلب وتجرد) وقصر نظره (عن ملاحظة ما غاب عنه) من مزيد الالطاف (وما يتطرق اليه من خطر الزوال عظم نعيمه و) قويت (لذاته) واستحقر في جنب لذته وتنعمه لقرب حبيبه جميع ما سواه حتى لو انفقت له الجنان جميعها لم تذهله ولم تشغله عن التذاذه بجمال محبوبه لانا اذا رأينا صفة جميلة محمة أحببنا الصانع لذلك فان رأينا ما هو أجمل منه وأحسن وأشرف واحكم ازددنا فيه حبا هذا في دار الاختبار ومحل الاستدلال فكيف بالعارفين في دار القرار ومحل الكشف والعيان ويبطل حكم الدليل والاستدلال ويرجع الحق تعالى مشهودا للعباد كما قال تعالى وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة فحينئذ لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أغين (ومن هنا نظر بعضهم) وهو الأنطاكي كما صرح به صاحب العوارف (حيث قيل له أنت مشتاق فقال لا انما الشوق غائب فاذا كان الغائب حاضرا ف الى من يشتاق) نقله القشيري في الرسالة وقد تقدم وحكاه صاحب العوارف فقال وأنكر بعضهم مقام الشوق وقال انما الشوق الى الغائب ومتى يغيب الحبيب من الحبيب حتى يشتاق ولهذا سئل الأنطاكي عن الشوق فقال انما يشتاق الغائب وما غبت عنه منذ وجدته قال وانكار الشوق مطلقا لا أرى له وجها لان رتب العطايا والمنح من أنصبه القرب اذا كانت غير متناهية كيف ينكر الشوق من المحب فهو غير غائب وغير مشتاق بالنسبة الى ما وجد ولكن يكون مشتاقا الى ما لم يجد من أنصبة القرب وكيف يمنع حال الشوق والامر هكذا ووجه آخر ان الانسان لا بد له من أمور يدرها بحكم الحال لموضع بشريته وطبيعته وعدم وقوفه على حد العلم الذى يقتضيه حكم الحال ووجود هذه الامور مثيرة لنار الشوق ولا نعنى بالشوق إلا مطالبة تنبعث من الباطن الى الاولى والاعلى من أنصبة القرب وهذه المطالبة كائنة في المحبين فالشوق اذا كائن لا وجه لإنكاره وقد قال قوم شوق المشاهدة واللقاء أشد من شوق البعد والغيبوبة فيكون في حال الغيبوبة مشتاقا الى اللقاء ويكون في حال اللقاء والمشاهدة مشتاقا الى زوائد ومباد من الحبيب وافضاله وهذا هو الذى أراده واختاره انتهى (وهذا كلام) غريب الحال (مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت الى ما بقى في الامكان من مزايا الالطاف ومن غلب عليه حال الانس لم تكون شهواته الا في الانفراد) عن الخلق (والخلوة) مع الله تعالى (كما حكى ان ابراهيم بن أدهم) رحمه الله تعالى اذ (نزل من الجبل) وكان مختليا به (فقيل من أين أقبلت من @