ذلك بعد معرفة العذر (وأما الوجه الثاني فهو ان يحس به ويدرك ألمه) ويكرهه بطبعه (ولكن يكون راضيا به) بل (راغبا فيه مريدا له أعنى بعقله وان كان كارها) له (بطبعه) وهذا (كالذي يلتمس من الفصاد الفصد و) من الحجام (الحجامة فانه يدرك ألم ذلك أنه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد) والحجام (به منة بفعله) لما يجد فيه الشفاء والراحة (ولكن حبه لثمرة سفره) التي هي الربح (طيب عنده مشقة السفر) وسهلها عليه (وجعله راضيا بها) وهذه الدرجة واجبة وهي الايمان لله يجب كسبها بما ورد فيها من الفضائل وما قبلها موهبة من الله تعالى لا يوجد بالكسب لكن مقدماتها مكسوبه وهي التخلق بالأخلاق المحمودة فالتخلق من جانبك لا من جانب الله فمتى تخليت من المذمومات وتحليت بالمحمودات أفاض الله عليك من نوره ومعرفته مالا يمكن وصفه ولا تمكن العبارة عنه وكلما ازددت معرفة ازددت رضا الى ما لا يتناهى (ومهما أصابه بلية من الله عز وجل وكان له يقين بان ثوابه الذى ادخر له فوق ماته رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه هذا اذا كان يلاحظ الثواب والاحسان الذى يجازي به عليه ويجوزان يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه ورضاء لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده ومطلوبا وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها المتواصفون) من المحبين والعشاق (في نظمهم ونثرهم) ورتبوا في ذلك مؤلفات (ولا معنى له الا بملاحظة جمال الصورة الظاهرة بالبصر فان نظر الى الجمال فما هو الا جلد) مشتمل (ولحم ودم مشحون بالأقذار والاخباث بدايته) ان نظر اليها فإنها (من نطفة مذرة) كما قال تعالى من منى تمنى (ونهايته) ان تأملها فإنها (جيفة قذرة) من أنتن الجيف (وهو فيما بين ذلك) أي بين البداية والنهاية (يحمل العذرة) في بطنه وهذا فيه عبرة لمن اعتبر هذا اذا نظر الي المدرك (وان نظر الى المدرك للجمال) المذكور (فهي العين الخسيسة) الناقصة (التي) ركبت فيها حاسة الادراك وهي (تغلظ فيما تري كثير افتري الصغير كبيرا والكبير صغيرا والبعيد قريبا والقبيح جميلا) والسكان متحركا والمتحرك ساكنا ومن نقصها انها تبصر من الأشياء ظاهرها دون باطنها ومن الموجودات بعضها دون كلها وتبصر غيرها ولا تبصر نفسها وتبصر أشياء متناهية ولا تبصر ما لا نهاية له على ما تقدم تفصيل ذلك (فاذا تصور استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الازلي الابدي الذي لا منتهي لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط) والنقص (ولا يدور بها الموت) بخلاف العين فإنها أول ما تسيل علي الخدين في القبر (بل تبقي عند الموت حية عند الله فرحة برزق الله) فإنها محل المعرفة والمحبة (مستفيدة بالموت مزيد تنبه واستكشاف فهذا أمر واضح لا يلتبس من حيث النظر بعين الاعتبار) اذا توصل فيه (ويشهد لذلك الوجود حكايات أحوال المحبين وأقوالهم) على اختلاف درجاتهم في الحب (فقد قال شقيق البلخي) رحمه الله تعالى (من يري ثواب الشدة) وما يترتب عليها من حسن الجزاء (لا يشتهي المخرج منها وقال الجنيد) رحمه الله تعالى (سألت) استاذي (سريا السقطي) رحمه الله تعالى (هل يجد المحب ألم البلاء قال لا قلت ولو ضرب بالسيف قال نعم وان ضرب بالسيف سبعين ضربة علي ضربة) وهذا مقام المستغرق بالحب فان نفسه سكنت عن الاضطراب تحت مجاري الاقدار (وقال بعضهم أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار) وهذا مقام الراضي المحب كما قال ابن خفيف الرضا @