صاحب القوت بعد أن ذكر حديث اوثق عري الايمان ما لفظه فجعل ذلك من أوثق العري لأنه منوط بالإيمان لا يستطيع الشيطان حله ولا سلطان له عليه كما لا سبيل له علي حل عقد الايمان لان الله يحول بينه وبينه وقد تولي تأييد الايمان بروح منه بعد كتبه في القلوب برحمته وفي الحب في الله الموالاة والنصرة بالنفس والمال والفعل والقول وفي البغض في الله ترك ذلك كله والمنابذة والمباينة ولأجل ذلك صارت الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعدائه من أوثق عري الايمان لأنك قد تعصي وتخالف مولاك لتسليط العدو وغلبة هواك إلا أنك تبغض العاصين ولا تواليهم علي المعاصي ولا تحبهم من أجلها من قبل ان العدو لم يسلط علي ذلك منك كما سلط علي فعله من نفسك كما انه لم يسلك علي حل عقد ايمانك كما سلط علي المراقبة والمخافة منك ولم يسلط أيضا عليك في استحلال المحارم واستحسانها ولا التزين بها ولا في ترك التوبة منها ولا بالرضا بها كما سلط عليك باقترافها فان سلط علي مثل هذا منك العدو حتى تحسب الفساق وتواليهم وتنصرهم علي فسقهم أو تستحل ما يرتكبون من ال حرام أو ترضي به أو تدين به فقد انسلخ منك الايمان كما انسلخ الليل من النهار فلست منه في كثير ولا قليل لان هذه العقود مرتبطة بعري الايمان وهي وهو في قرن واحد مقرونان فهذا من كبائر الكبائر التي تنحل عقد الايمان معها وتنتقص عراه بها من قبل ان الموالاة والمحبة لأعداء الله تعمل في أصل الدين وتمحو ثبت اليقين فلا تبقي منه نورا لأنه ليس من عصي امامه فيما أمره مثل من قبل دولته وخرج عليه بالسيف وليس من وافق هوي نفسه فيما به نهي الله مثل من وافق ما وفق الله فيما كتب وأرسل فنبذ كتبه ورديده في أفواه الرسل مسكتا فان تكن مقامات هؤلاء الظالمين والفاسقين توجب عليهم الرضا بأحوالهم أو الشكر عليها فرضوا وشكر والزمهم أيضا أن يصبروا ويثبتوا علي ما شكروا عليه ورضوا به فيصير ذلك مقالما لهم في الشكر والرضا عند القائل بهواهم ووجبت عليه أيضا لهم أن يحبهم عليها ويواليهم فاذا وجب عليه ذلك لزمه ان يعينهم عليها و يأمرهم بها وفي هذا تكذيب الكتب كلها ورد الرسل كلهم نعوذ بالله من رضا لا ينفع ومن حب لا ينفع كما نعوذ به من عمل لا ينفع ومن علم لا ينفع ثم ذكر الأخبار المتقدمة وزاد فقال وروينا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما دخل لفظ أحدهما في الآخر لو ان عبدا صفن بين قدميه عند الركن والمقام يعبد الله عز وجل عمره يصوم نهاره ويقوم ليله ثم لقي الله عز وجل وليس في قلبه محبة وموالاة لأولياء الله ولا بغض ولا معاداة لأعدائه لما نفعه ذلك شيئا وقد جاء نحوه وبمعناه عن عمر وغيره ان أحدهم ليشيب في الاسلام ولو يوال في الله تعالى ولم يعاد فيه عدوا وذلك نقص كبير وفي معنى قوله أوثق عري الايمان الخ وجه خفي هو ان يحبك المؤمنون ويبغضك المنافقون فتكون ذلك علامة وثيقة عروة ايمانك لان قوله الحب في الله يصلح ان تحب أنت ويصلح ان يحبك المؤمنون وكذلك البغض في الله يصلح ان يبغضك المنافقون كما تبغضهم أنت كفأنك تتحبب الي المؤمنين حتي يحبوك وتتبغض الي المنافقين حتى يبغضوك بالتباعد عنهم وبترك الموالاة لهم وبنصحك اياهم فيدل ذلك علي قوة أيمانك لأنك لم تأخذك في الله لومة لائم منهم كما وصف بذلك من يحبهم ويحبونه ويكون ذلك أبعد لك من المداهنة والنفاق وأقرب الي الصدق والاخلاص والورع فاذا فعلت ذلك بهم أبغضوك ومقتوك فتظفر بما تريد وتدرك ما تحب داخلا عليك بوصفهم فهذا علي معنى قوله عز وجل أشداء علي الكفار رحماء بينهم فتظفر بما تريد وتدرك ما تحب داخلا عليك بوصفهم فهذا علي معنى قوله عز وجل أشداء علي الكفار رحماء بينهم أذلة علي المؤمنين أعزة علي الكافرين (فان قلت فقد وردت الآيات والاخبار بالرضا بقضاء الله تعالى) وانه مطلوب (فان كانت المعاصي بغير قضاء الله فهو محال وهو قادح في التوحيد وان كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله تعالى وكيف السبيل الي الجمع وهو متناقض علي هذا الوجه وكيف يمكن الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد فاعلم ان هذا مما يلتبس علي الضعفاء القاصرين عن الوقوف علي أسرار العلوم) العاجزين عن فهمها (وقد التبس علي قوم حتى رأوا السكوت علي المنكرات مقاما من مقامات الرضا وسموه حسن خلق) وليس منه (وهو جهل محض بل نقول الرضا والكراهة يتضادان اذا تواردا علي شيء واحد من جهة واحدة علي وجه واحد وليس من المتضاد في شيء واحد ان يكره من وجه ويرضي به من وجه اذ قد يموت عدوك الذى هو أيضا عدو بعض أعدائك أو ساع في اهلاكه @