فهرس الكتاب

الصفحة 4704 من 5957

ومقت الله تعالي لمن عصاه وان كان معصيته بتدبيره يشبه بغض المشتوم لمن شمته ان كان شتمه انما حصل بتدبيره واختياره لأسبابه وفعل الله تعالي ذلك بكل عبد من عبيده أعنى تسليط دواعي المعصية عليه يدل علي انه سبقت مشيئته بإبعاده ومقته فواجب علي كل عبد محب لله تعالي أن يبغض من أبغضه الله ويمقت من مقته الله ويعادي من أبعده الله تعالى عن حضرته وان اضطره بقهره وقدرته الي معاداته ومخالفته فانه يعيد مطرود ملعون عن الحضرة وان كان بعيدا بإبعاده قهرا ومطرودا بطرده اضطرار و المبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتا بغيضا الي جميع المحبين موافقه للمحبوب بإظهار الغضب علي من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده وبهذا يتقرر جميع ما وردت به الاخبار من البغض في الله والحب في الله والتشديد علي الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء الله تعالى من حيث انه قضاء الله عز وجل) وبه يظهر معنى قوله تعالى أشداء علي الكفار رحماء بينهم أذله علي المؤمنين أعزة علي الكافرين وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وكذلك أمر المؤمنين في قوله تعالي قاتوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة (وهذا كله يستمد من سر ال قدر الذي لا رخصة في افشائه) الا لأهله (وهو ان الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والارادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضي به فمن قال ليس الشر من الله فهو جاهل وكذا من قال انهما جميعا منه من غير افتراق في الرضا والكراهة فهو أيضا مقصر وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه فالأولي السكوت والتأدب بآداب الشرع ف قد قال صلى الله عليه وسلم القدر سر الله فلا تفشوه) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر نحوه ورواه الطبراني عن ابن عباس من قول عيسي عليه السلام بلفظ فلا تحلوه وقد تقدم (وذللك يتعلق بعلم المكاشفة وغرضنا الآن بيان الامكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء الله ومقت المعاصي مع انها من قضاء الله تعالي وقد ظهر الغرض من غير حاجة الي كشف السر فيه) وقال الكمال محمد بن اسحق في مقاصد المنجيات أفعال العباد علي ثلاثة أقسام طاعات ومباحات ومعاص فالطاعات يرضي بها مطلقا والمعاصي لا يرضي بها مطلقا والمباحات منها ما تعين علي الطاعات وفراغ القلب للذكر فيلحق بالطاعات ومنها ما يشغل القلب عن ذكر الله ويحث علي المخالفة فيلحق بالمعاصي في عدم الرضا والسر في ذلك ان الله أراد ما لا يرضي ولا يأمر الا بما يرضي و العباد متعبدون بما يصدر من الامر والنهي لا بما يصدر عن مشيئته وتدبيره فالرب تعالى لا يأمر ال عباد إلا بما فيه مصلحة لهم عاجلة أم آجلة وقد تعبدنا ربنا بكراهة المعاصي لمصلحتين احداهما مقصودة في نفسها والثانية وسيلة لغيرها أما المصلحة المقصودة لنفسها فان الله تعالي تسمي بالخافض الرافع ولهما آثار في الوجود في الخفض والرفع فندب الله عباده الي أن يكون المخفوض عنده المخفوض عندهم والمرفوع عنده المرفوع عندهم ولا يوجد كمال هذه العبادة إلا عند المحبين لان المحبة اذا قربت تدعت الي كل ما يتعلق بالمحبوب حتى يحب حبيبه ويبغض بغيضه واليه الاشارة بقوله تعالى فلعلك باخع نفسك علي آثاراهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا أي قاتل نفسك وقوله تعالى ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر واما المصلحة المقصودة لغيرها فان الله جبل طباع العباد علي النفرة عما يكرهونه فكراهة المعاصي علي هذا وسيلة الي تركها ونبذها لا من حيث انها من فعل الله فان قلت الرضا والسخط أيضا مرادان وقد قلت ان الله أراد ما لا يرضي وما معنى ق وله تعالى ولا يرضي لعباده الكفر فأقول الرضا والسخط مرددان بين الارادة والعفل ومعنى الآية محمول علي الصفة الفعلية لا علي الصفة الذاتية فقوله تعالى ولا يرضي لعبادة الكفر أي اذا كفروا عاملهم معاملة الساخط عليهم وهذا معنى قولك يريد مالا يرضي أي خصهم بفعل يعاقبهم عليه لان حقيقة لفظي @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت