فهرس الكتاب

الصفحة 4708 من 5957

ولذلك شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الاخبار بالفرار من الزحف) تشديدا في أمره وزجرا له في ذلك واستدل به من ذهب الي ان النهي فيه نهي تحريم كما هو مذهب الشافعي وقد تقدم ذلك في كتاب التوكل وذكرنا هناك ان تلك العلة التي أبدأها المصنف قد سبقه فيها الامام أبو جعفر الطحاوي في شرح معانى الآثار) ولو كان ذلك للفرار من القضاء) كما يفهم بظاهره (لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف) والرجوع (وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل) فارجع اليه (واذا عرف المعنى ظهر ان الفرار من البلاد التي بها مظان المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لابد من الفرار منه) ويدل لذلك قول عمر رضي الله عنه لما أمر الناس بالانصراف عن الشام وقد قال له بعضهم أتفر من قضاء الله فقال نعم نفر من قضاء الله الي قضاء الله (وكذلك مذمة المواضع التي تدعوا الي المعاصي والاسباب التي تدعوا اليها لأجل التنفير عن المعصية ليس مذموما) وقال الكمال الصوفي ولا رخصة في الاقامة في بلد كثر فيه الفساد خوفا من ال فرار من قضاء ال له تعالي فانه أيضا اذا فرفر بقضاء الله تعالى (فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق جماعة منهم علي ذم) دار السلام (بغداد) وهى المدينة المشهورة بالعراق بناها أو جعفر المنصور وفيها لغات أشهرها بفتح الباء الموحدة وسكون الغين المعجمة الين مهملتين ثم بغدان بالنون بدل الدال ويروى بدال في آخره ويروى بدال أولي مهملة والثانية معجمة وهذا هو المعروف عند المحدثين والكتاب ويقال بعكس ذلك ويقال مغدان بالميم بدل الباء والنون آخرا وقد استوفيت ذلك في شرحي علي القاموس والاسم أعجمي والعرب تختلف في ذلك وزعم بعضهم ان تفسيره بستان العدل وقيل عطية الصنم وهو علي اللغة المشهورة الاولي التي ذكرناها ولذاكره ابن المبارك هذه التسمية وسماها المنصور دار السلام لان دجلة كان يقال لها وادي السلام وكان بناها في سنة خمس وأربعين ومائة في الوقت الذى اختاره له توبحت المنجم وكان قد جمع لبنائها مائة ألف رجل من جميع الاقاليم من أهل المعرفة بالبناء واحكامه ويقال لا تعرف في أقطار الارض مدينة مدورة سواها وقد استوفي أخبار بنائها وما يتعلق بها الخطيب في أول تاريخه لها (واظهارهم ذلك) أي الذم (وطلب الفرار منها) قال صاحب القوت وكذلك يحب ابن آدم ممن عامله الاعتراف والتواضع وهو أيضا أحد المعاني في قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر شيئا قيل هو الاعتراف عقيب العمل السيء لأنه قد تقدم ذكره فكان الصالح بعده اعترافه فأما من قلبت عليه هذه المعاني فجهل مواقيت الامور وغلبت عليه الغفلة واستحوذت عليه الجهالة فجعل ينظر الي من فوقه في الدنيا فيغبطه علي حاله أو يتمني مكانه أو يدخله نظره اليه في استصغار نعمة الله عليه ويزدري بيسير ما قسم به ثم ينظر الي من هو دونه في الزي من عموم المسلمين فيرضي بنقصان مقامه ويجعل ذلك معذره له وحجة وتأسيا به فيغبطه عن اتساعه الي القربات أو لعلة أو يداخله العجب والكبر حتى يتفضل عليه بحاله أو ينظر الي نفسه بإهماله لتقصير غيره عن مثل فعاله فهذا ايضا يكتب جزوعا من الصبر كفورا للنعمة بإضاعة الشكر لأنه ليس بصابر ولا شاكر وهذا وصف من أوصاف المنافقين وهو مقام الهالكين وروى عن أبي ذر رضي الله عنه قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحب المساكين والدنو منهم وان أنظر الي من هو دوني ولا أنظر الي من هو فوقي فذلك أجدر أن لا أزدري نعمة الله علي وقد وصف هذا البلد الذي نحن فيه بمثل هذه المعاني والله المستعان (فقال ابن المبارك) فيما حدثونا عنه (فقد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا أشد من بغداد قيل وكيف هو) يا أبا عبد الرحمن (قال هو بلد تزدري) أي تحتقر (فيه نعمة الله وتستصغر فيه معصية الله) أي تعد صغيرة قال (و) وحدثونا عنه انه (لما قدم خراسان قيل له) يا أبا عبد الرحمن (كيف رأيت) الناس في (بغداد فقال ما رأيت بها الا شرطي غضبان أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران) نقله صاحب القوت (ولا ينبغي أن تظن ان ذلك من الغيبة لنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به وانما قصد بذلك تحذير الناس) عن سكناها (وكان) ابن المبارك (يخرج الي مكة وقد كان مقامه ببغداد يرقب استعداد القافلة ستة عشر يوما فكان يتصدق بستة عشر دينارا لكل يوم دينار كفارة لمقامه) ولفظ القوت ويقال انه كان يتصدق في كل يوم بدينار @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت