يستنشق مبادي هذه الروائح فان فقدنا مثل هذا القلب وحرمنا مثل هذه الروح فلا ينبغي أن يطرح الايمان بإمكان ذلك لأهله فمن لا يقدر أن يكون من أولياء الله تعالى فليكن محبا لأولياء الله تعالى مؤمنا بهم) مصدقا لهم في أقوالهم مسلما لأحوالهم (فعسى أن يحشر من أحب) فمن أحب قوما حشر معهم كما في الخبر وتقدما قريبا (ويشهد لهذا ما روي أن عيسي عليه السلام قال لبنى اسرائيل أين ينبت ال زرع قالوا في التراب فقال بحق أقول لكم لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب ولقد انتهي المريدون لولاية الله عز وجل في طلب شروطها بإذلال النفس الي منتهي الضعة والخسة حتى روي ان ابن الكرنبى) بفتح الكاف والراء وسكون النون وكسر الموحدة أو خليفة الصوفي (وهو استاذ الجنيد) خرج الي عبادان ترجمة الخطيب في التاريخ وكربنا بلد بخراسان وقد وقع هنا في نسخ الكتاب تصحيف فليحذر (دعاه رجل الي طعامه ثلاث مرات ثم كان يرده ثم يستدعيه فيرجع بعد ذلك حتى أدخله في المرة الرابعة فسأله عن ذلك فقال قد رضت نفسي علي الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ثم يدعي فيرمي له عظم فيعود ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت و) حكي (عنه أيضا انه قال نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح) والديانة (فتشتت قلبي قد خلت الحمام وعنيت علي ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت وجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني و أوجعوني ضربا فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي) وقد اعترض ابن القيم وغيره علي المصنف في تقريره هذا الكلام والتسليم له وان هذا لا يجوز شرعا وقد أجاب عنه العارفون منهم سيدي عبد الوهاب الشعراني قدس سره في كتابه الاجوبة المرضية عن السادة الصوفية وأشرنا الي بعضه في خطبة كتاب العلم (فهكذا كانوا يرضون أنفسهم حتي يخلصهم الله من النظر الي الخلق ثم من النظر الي النفس فان الملتفت الي نفسه محجوب عن الله تعالى وشغله بنفسه حجاب له فليس بين القلب وبين الله تعالي حجاب بعد و تخلل حائل وانما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسها و أعظم الحجب شغل النفس ولذلك حكي ان شاهدا عظيم القدر من أعيان اهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي يزيد) البسطامي رحمه الله تعالى (فقال له يوما يا أبا يزيد أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر وأقوم الليل لا أنام ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئا) يعني علم المعرفة (وأنا أصدق به وأحبه فقال أبو يزيد) رحمه الله تعالى (ولو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة قال ولم قال لأنك محجوب بنفسك قال فلهذا دواء قال نعم قال قل لي حتى أعمله قال لا تقبله قال فاذكره لي حتى أعمل قال اذهب الساعة الي المزين فاحلق راسك ولحيتك وانزع هذا اللباس) الذي عليك (واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا واجمع الصبيان حولك وقل كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل السوق وطف بالأسواق كلها عند الشهود) وهم الرفقاء له في صنعته (وعند من يعرفك) ويعظمك (وانت علي ذلك) الحال (فقال الرجل سبحان الله تقول لي مثل هذا فقال أبو يزيد) رحمه الله تعالى (قولك سبحان @