كان غير ذلك فلا يُسَمَّى بناء في حقيقته، وإن كان بناء في شكله · وقد شبه الله أولئك الذين يتخذون من دونه أولياء بالعنكبوت حين تتخذ بيتًا واهنًا في بنائه فقال تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعملون (4) ·
المبحث الأول: المفهوم الإسلامي للبناء والعمران:
للبناء والعمران في التشريع الإسلامي ثلاثة مفاهيم:
الأول- القوة: وهذه صفة من صفات الإسلام فكل عمل يقوم به المسلم ينبغي أن يكون متقنًا، والقوة أساس الإتقان فالحج -مثلًا- له أركان ولا يكون متقنًا إلا إذا أتى الحاج بأركانه، ولكن هذه الأركان لا تتحقق إلا مع قوة الحاج فإن كان ضعيفًا لم يستطع الحج وبالتالي أصبح له حكم آخر· والجهاد له متطلبات، وأولها قوة المجاهد وقدرته الجسدية على القتال وإلا فلن يكون جهاده متقنًا وهكذا ·
وفي المعاملات بين الناس ينبغي أن يكون العمل متقنًا فمن يصنع لآخر شيئًا يجب عليه أن يُتْقِنَ صنعته ولا يتأتى الإتقان إلا من قوي في عمله وخبرته، ومن يُؤجِّر جُهده لآخر يجب أن يكون ذا جهد وقوة حتى يستطيع أن يؤدي ما أُجِرَ عليه · وقد أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (رحم الله من عمل عملًا وأتقنه) (1) · وقوله: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه) (2) ·
وقد ورد اسم القوة في القرآن الكريم للدلالة على معان وتوجيه: منها وصف الله سبحانه وتعالى لذاته العلية بالقوة فقال وقوله الحق: إن الله قوي عزيز (3) · وقال: هو الرزاق ذو القوة المتين (4) · ومنها أمره لنبيه يحيى بأن يكون قويًا في تعلمه الكتابة في قوله تعالى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة (5) · ومنها إخبار الله عما دار بين بلقيس ملكة سبأ وبين مستشاريها حين استفتتهم في كتاب نبي الله سليمان فقالوا لها بأنهم أصحاب قوة وبأس شديد: قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك (6) · وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضرورة القوة في المبنى وفي مسجده والمسلمون يعملون فيه معه وكنت صاحب علاج وخلط طين فأخذت المسحاة أخلط الطين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليَّ ويقول: (إن هذا الحنفي لصاحب طين) وفي قول آخر إنه قال: (دعوا الحنفي والطين فإنه أضبطكم للطين) (7) ·