فدل ما سبق على أن القوة شرط في البناء ليس لأن ذلك واجبًا باعتباره عملًا ينبغي إتقانه فحسب، بل لأن القصد منه الحفظ والستر ودرء الخطر فحفظ النفس والمال من الضرورات الشرعية الخمس ولا يتأتى حفظ نفس الساكن وماله في البناء إلا إذا كان هذا البناء قويًا، فمتى انتفت القوة منه أصبح خطرًا على الأنفس والأموال وأصبح المهمل في بنائه أو المقصر فيه مسئولًا عما يصيب غيره من ضرر كما سنرى ·
المفهوم الثاني للبناء- الجمال: يفترض في المسلم أن يهتم بمظهره وملبسه لأن الإسلام دين جمال، ودين طهارة، ودين نقاء فالمسلم يعبد إلهًا واحدًا ومن أسمائه الحسنى (الجميل) فكل جمال في الكون -وكله جميل- صادر عن صنعه وتكوينه فوجب على المخلوق أن يكون جميلًا في كل أفعاله وصفاته لكونه يناجي الخالق الجميل وقد ورد في الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال) (1) ·
وقد ورد في سورة الأعراف ثلاثة أحكام عن الجمال أولها- أن الله تعالى يَسَّرَ لخلقه اللباس والرياش لكي يتزينوا ويتجملوا بها فبدأ باللباس لكونه الأهم لما فيه من ستر العورة ثم بالرياش لما فيها من الجمال فقال تعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى (2) · فدل هذا على جواز استعمال الرياش والتزين بها · وثاني الأحكام- أمر الله تعالى لخلقه أن يتزينوا في أماكن العبادة فقال: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد (3) · وهذا أمر إلزام يناقضه عدم التزين في تلك الحال، ومن ثم ارتكاب المعصية في عدم الاستجابة والالتزام بالأمر · وثالث الأحكام- إنكار الله على من يحرم شيئًا من الملبس أو نحوه دون دليل كما كانت قريش تحرم اللباس أثناء الطواف بالبيت فقال تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده (1) ·
وقد تحدث الإمام ابن القيم عن الجمال فقال ما نصه: (وقوله إن الله جميل يحب الجمال يتناول جمال الثياب المسئول عنه في نفس الحديث ويدخل فيه بطريق العموم الجمال من كل شيء كما في الحديث الآخر:(إن الله نظيف يحب النظافة) (2) · ثم قال: وفصل النزاع أن يقال: الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يُحْمَد ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه · والمذموم منه ما كان للدنيا