فهرس الكتاب
1983 ... رئيس قسم النقابين بورش العريش
الرسالة الثانية
أخي لماذا أحبك؟
سؤال يسير، غير أن الإجابة عليه أمر عسير اللهم إلا إذا تبدلت الحروف إلى نور والسطور إلى رياحين وزهور.
أحبك لاتحاد الأفكار والآمال والآلام. لوحدة الهدف وشرف الغاية - للاتفاق في الشعور والشعائر - لان ألفة قلوبنا لا تكون إلا بوحدة أخلاقنا. فالطيور على أشكالها تقع. والأرواح جنود مجندة لأن الأرواح لا تعزلها المادة ولا تقيدها اللغة أو الجنسية. فهي تلتحم وتتلاصق بعوامل الحب والصدق والصفاء. وهذا هو الرباط الذي لا ينفصم.
أحبك لأنك النور الذي أضاء لي الطريق الحق. والحق هو أغلى ما في الوجود وأثمن مافي الحياة ولهذا كان"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"لقد كنت قبل أن أعرفك أحب نفسي وحدي - أعطيها كل شيء وآخذ لها كل شيء، لا أبالي بمن حولي لا أفرح لفرحهم ولا أحزن لحزنهم ولا أتألم من أجلهم. نفسي نفسي هي كل الحياة - فكان حبي لك وحبك لي هو سفينة النجاة حيث طهرت نفسي من الأنانية وحب الذات وأشعلت قلبي بالوهج والحب. لقد أيقظتني من غفوة وغفلة. فلم أعد وحدي في هذه الدنيا. وأصبح حبي لك تطلعات بعيدة لجيل جديد له هدف وله غاية يحمل الراية بصبر وحلم وعزم - تطلعاتي تطلعات من يريد أن يترك لمن يحب كل ما عنده وما يعرفه من تجارب ليكون معالم لطريق طويل وشاق - حبي لك هو حرصي الشديد أن تسعد بك الدعوة وإن كان الأصل أن تسعد أنت بالدعوة"يمنون عليك أن أسلموا قُل لا تمنوا عَلَىَّ إسلمكم بل الله يمُنُّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صدقين"- ولكني باحث - أبحث عن رصيد من القلوب لتحمل هذا العبء - بل هذا الشرف - لتبقى الدعوة وتحيا الرسالة.
لكل هذا الشعور الذي نتذوقه ولا ننطقه نسعد به من الأعماق في صمت وحب واشتياق.
كنا قد جلسنا معك جلستين على انفراد، لنستمتع بحديثك، ونفرح برؤيتك ولقد كانتا جلستين رائعتين، تعلمنا فيهما أننا ملك لهذا الدين وأننا بحاجة إليه وما هو بحاجة إلينا. وفي الحقيقة لا أكاد أصف لك شعوري ولا أقدر أن أجسد لك حالتي حينما كانت لحظة الوداع، أحسست وكأني طير في السماء أطير فيها ألهو، تاركا ورائي كل ما يشغل غيري، لقد شعرت آنذاك أن قلبي قد بدل بقلب آخر، قلب أبيض ناصع البياض، قلب محب لك.
أبي الحبيب: ان تلك اللحظة، كانت أكبر درس لي وأعظم موعظة أتعظ بها، لقد كانت هي الحب كله وهي العاطفة كلها التي يشعر المسلم بها نحو أخيه وحبيبه المسلم.
ثم تمضي الأيام وأزداد حبا لهؤلاء الإخوان الذين وجدت عندهم من الحب مالم أجده عند أهلي وأسرتي وها أنا اليوم اعتبر نفسي جزءا منهم وهم في نفسي وقلبي، وأصبحت أعتقد تمام الإعتقاد أن هذا الطريق طريقنا هو الطريق الوحيد لسعادتنا وسعادة البشرية جمعاء، فيه نصرة الإسلام وعزته، فأزداد تمسكا بإخواني وأمضي أدعو غيري من التائهين الحيارى إلى هذا الطريق وأحزن عليهم إن ابتعدوا عن هذا السبيل.