فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 110

لا تخف من الفراق فانت جزء من الدعوة - ففي أي مكان على سطح الأرض سوف تستقبلك قلوب حانية - سوف تجد قلوبا في انتظارك فإن لم تجد فإنه ليس عليك إلا أن تبحث عنها وتصنعها فإن الداعية المسلم لا يعوزه العمل الجاد في سبيل إيجاد هذه العناصر التي تعينه على الطاعة وعلى الحب في الله تعالى .. إذن لا تخف من الفراق فإن عاطفة الإيمان والحب في الله سوف تدفع بك يقينا إلى مثل هذه القلوب لأنك لا تستطيع أن تعيش بعيدا عن هذا الميدان الحبيب.

أرى أن الوفاء من شيم القلوب الكبيرة وأن خسارة قلب، إنما هي خسارة لا تعوض وأعتقد أنك والإخوة على هذا المستوى العظيم من الوفاء. فتعرفوا الأسباب لمن غاب وذاب فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (صل من قطعك وأطعم من حرمك، واعف عمن ظلمك) .

ومكرمة تصنع الحب في جماد وتخرج من صخرة ماءًا. سماحة في الخلق، سلوك الأحباب المجيد في رفق ولهفة نادرة. لهفة محببة تصنع من الإنسان روحا تفيض وتحلق في جوف الليل والناس نيام ويقف الإنسان بين يدي الرحمن راكعا ساجدا في خشوع ودموع. في هذا الغياب الذي يذوب فيه الإنسان بكل كيانه - أتوجه الى الله تعالى بالدعاء لك - أن يحفظك طاهرًا نقيا مجاهدا وفيا وهذه هي دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب وهي أشرف عواطف الحب في أقدس مواقف الجلال .. وأمام هذه العاطفة وهذا الدعاء تتضاءل كل معطيات الدنيا التي أتمنى أن أقدمها هدية لك تعبيرا عن حرارة حبي (لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) وعلى سياق هذا المعنى لازلت أتذكر تصوراتي وتخيلاتي لصورة الكعبة المشرفة حين توجهت لأداء فريضة الحج عام 1943 حيث كنت من أصغر حجاج بيت الله سنا في ذلك الزمان ... كنت أتخيل أن الكعبة الشريفة مبنية من الذهب واللؤلؤ والماس لعظم شأنها في تصوراتي حتى إذا واجهت الكعبة انتابني شعور من الهيبة والرهبة والجلال تلاشى معه هذا التصور - حيث أدركت بل فهمت أن الحب والشوق والشعور والإحساس شيء فوق المادة. ولو كانت الذهب واللؤلؤ والماس وما هو أثمن. (فإن أعظم من ذلك وأجل، هو حياة القلب ويقظة الروح ووهج الإحساس) .

الرسالة الثانية

أخي

اسمح لي أن أتوجه إليك بهذه الكلمات فهي ليست نصيحة ولكنها تلميحة - لقد تعايشنا في السجون عدد سنين تحملنا فيها من أهوال التعذيب ما يشيب له الولدان وأمدنا الله تعالى بروح من عنده حتى خرجنا إلى ما يسمى بالحرية.

ولكني أراك بعد ذلك قد تجمدت وانطويت وما كان عهدنا ولا وعدنا. فالعهد بيننا جهاد في كل مكان وكل ميدان بالحركة والقلم واللسان بالزحف على القلوب فهي سر حياة الإنسان (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) . صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فما بالنا يا أخي الحبيب نتحمل المصائب والأهوال ولا نصبر على الدعوة والبيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت