فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 110

والاستفادة من هذه الطاقات المذخورة في الإنتاج للدعوة - وأنت في رسالتك تقول (لقد بدأتْ تتغير كثير من اهتمامات هذا القلب ... أرجو أن يكون هذا التغيير دافعا إلى العمل الجاد والأسلوب الأمثل .. ) وهذا ما أرجوه وأتمناه.

والحقيقة يا أخي الحبيب أن الإنسان حين يشرق في قلبه نور الإسلام وروح هذه العقيدة. فإنه يبدأ متحمسا بطبيعة الفراغ السابق وكلنا هذا الإنسان. والحماس مطلوب إذا رسم له طريق واضح منتج مفيد - والذي لاحظته طوال حياتي - أن كل متحمس يريد أن يسرع الخطى ويتخطى الحواجز من أول لحظة آمن فيها بهذا الإسلام - وأعتقد أن المتحمس يريد أن يرفع عن كاهله عبء هذا الشعور الذي يقلقه بأية صورة كانت ومع الفارق في التشبيه إن الإنسان أو غير الإنسان اذا كان يحمل فوق كتفيه بعض الأثقال فإنه يتمنى بأسرع وقت أن يتحلل من هذا العبء.

لهذا كانت التربية الإسلامية تعتمد على الفهم الدقيق والتربية الصحيحة التي تؤهل المؤمن كي يتحمل عبء دعوة عالمية شاملة قد تستغرق عشرات السنين بل أكثر في سبيل الوصول الى الغاية (إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا) . ومن أعظم صور الجهاد والبطولة الصبر على المنهاج وطول الطريق وتحمل الصعاب والعذاب وإلا فما ذا استفاد المسلمون الأوائل من رجال الدعوة في عهد رسولنا صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما غير شيء واحد هو الابتلاء والصبر والثبات (صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة) وأرجو أن تتذوق معنى إن موعدكم الجنة نعم إن ذلك هو هدف المسلم ومن هنا كان لزاما على المسلم أن يضع نصب عينيه الجنة ولا سبيل لها إلا بالعمل الصالح والجهاد المستمر المتواصل حتى نلقى الله تعالى. ومن المعلوم أن جهاد أعداء الإسلام المكشوفين لنا هو أهون من جهاد هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل من أبناء الإسلام المخدوعين بالشعارات البراقة الخادعة ونحن نقضي وقتا طويلا في جدال لا طائل من ورائه إلا تعطيل سفينة الدعوة بل سفينة النجاة عن مواصلة الطريق.

لهذا أقول لك أيها الحبيب - لا تشغل نفسك بالذين يشغلونك عن الدعوة بالمناقشات والجدال وسوء الظن - وتوجه ببوصلة قلبك الطاهر إلى من تحس نحوهم بالصدق وحسن الخلق والحياء، تحدث معهم ولا تتوقف عند أية عقبة حتى لا يطول بك التوقف - ابحث عن قلب تحبه قلب تحس منه صدق العاطفة وصدق الاتجاه، ودع هؤلاء (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) (والعقبة للمتقين) سوف تجد عقبات وصدًا عن سبيل الله من أقرب الناس ومع هذا فارجو ان تفهم أن ذلك هو طبيعة الدعوات على طول الزمان وفي أي مكان.

يصنع الحب في الله عجبا في تحريك الهمم والارتقاء بالقيم وربط القلوب بهذا الرباط الفريد الذي جمع بين درجات مختلفة يصعب بينها اللقاء فتلين قلوبهم لذكر الله ويكون عبد الله الحبيب من قلبي أقرب قريب.

أما سؤالك الخطير - فهل تراك يا أبي قد فهمتني وعلمت شيئا من مشاعري.

ثق أن ما في أعماقنا شيء لا يتحمله غيرنا (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) - فالذي يعلمونه هو ذلك الذي يلمسونه - أما ما بقي فهو غيب القلوب وتطلعات الأرواح. لك وللإخوة الذين أحبهم.

وأملي كبير في إيمانك العميق بالدعوة التي أنت من غرسها من أول يوم بل من أول لحظة وهذا فضل الله تعالى عليك أن نشأت في صميم هذه الجماعة وفي كل مراحلها. فأنت لبنة من لبناتها التي أقيمت في بنائها الشامخ الكبير وحين أقول لبنة إنما أقصد أنك روح وقلب وعقيدة وزمن وتجربة - لهذا فإن المأمول فيك أن تكون محصلة صحيحة تعطي أنموذجا حيا لطبيعة هذه الدعوة ومقاصدها وأعتقد أن أعظم ما ينبغي الالتزام به هو العبادة الصحيحة مع الفقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت