فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 110

وتقولين [ولا سبيل إلى تجافينا بعد هذا الارتباط الحميم] وكيف أجافي من بدأني بالسلام وصاحب السبق له فضل .. كيف أجافي قلبا سعى إلى قلبي كيف أجافي سر وجودي وحفيف روحي - كيف يعيش أمثالي بلا قلوب تتعانق وأرواح تهفو على البعد البعيد.

الرسالة الثلاثون (إلى أخ كريم طيب في لندن)

أخي الحبيب

لا تزال أعماق الروح وهواتف القلب ومنابع الروحانية مجهولة عند البشر ويوم يتذوقونها ويستشعرونها سوف تتغير سلوك وأخلاق وعادات تنقلت بها الموازين البشرية (إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) ولهذا أخي الحبيب إنني حين قرأت رسالتك شعرت بالتجاوب العميق والتقابل الوثيق والاتفاق فيما يجمع بيننا من شعور ومشاعر وهواتف، هي أسمى ما بلغته الإنسانية من رقي في الذوق واللياقة والحضارة والأدب، وسلوك الحواس بل وثقافة الحواس، تلك أعظم معالم شخصية المسلم، فإنها بتحركها الحية المشرقة المضيئة تعلن عن حسن الخلق، وأدب الكلمة وخشوع النظرة وحسن اللقاء والاستماع، والرحمة والتواضع، وخفض الصوت، ورقة الابتسامة، وخفض الجناح - كل ذلك إنما هو حركة الحواس ويقظة في الوجدان والمشاعر .. والإنسان الذي لم يستخدم حواسه كما أرادها الله تعالى. فستبقي مظلمة معتمة جافة - وهذا هو الإنسان (الميت) (أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) .

خطابك هذا ينطق بتلك المعالم المتوهجة وتلك المعاني التي تعبر عن مكنون صادق كريم فإذا أضفت إلى كل ذلك، القلب الفتي والعقل الذكي والروح النقي فقد تربعت على قمة من الحب في الله تعالى.

الرسالة الواحدة والثلاثون

أخي وإبني الحبيب

تلقيت اليوم رسالتك المشحونة بالعواطف والتي تشكو فيها نفسك لما تحسه من شعور جارف بالحب نحو أخ شغل عليك تفكيرك وملك منك الجوارح حتى أنك لا تطيق أن تبتعد عنه ساعة من نهار أو ليل، وتحس بضيق وغضب واكتئاب نفسي إذا رأيته يمشي مع أحد غيرك فلا يطيب لك طعام أو شراب بالرغم من أنه يحبك أكثر من الآخرين.

وقبل أن أسرد عليك ما أحسه نحوك بما جاء في رسالتك أرجو أن تعتبرني أخا كبيرا - أقدم لك النصيحة وخاصة أن مثل هذه الحالات تحتاج أن يتغلب العقل على شرود العاطفة. فالحب في الله تعالى مشروط بقواعد شرعية وآداب إسلامية. فلا يتعداها سواء إلى التفريط أو الإفراط - فالحب في الله ارتقاء بالعواطف والمشاعر إلى مستوى الانتساب إلى الحب"في الله"وهو الحب على مستوى الطرفين بميزان بعيد عن الذاتية والأنانية - فليس الحب في الله أن تذيب نفسك في نفس من تحب وحدك. فالحب في الله هو رباط كل القلوب بكل القلوب لينشأ من هذا الحب صرح الوحدة الإسلامية، فأنت تستأثر وتحجب روح الحب عن القلوب وتجعل من تحب أسير حبك وحدك، وهذا طغيان عاطفة وقصور عقلي. تجعل عند وجودك ضياع لوجوده وتقليل من حقوقه وتعطيل قدراته، وتعوقه عن حرية الحب في بساتين القلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت