فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 110

أقول يا والدي .. أني لما علمت بموت أبي - استرجعت من فوري لهذه المصيبة. كما علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن من يسترجع يبدله الله خيرا مما فقد ولكني لا أخفي عليك قد شاب نفسي ما شاب نفس أم سلمة رضي الله عنها من قبل عندما مات عنها زوجها واسترجعت وقالت في نفسها: ومن خير من أبي سلمة؟ ولكنه لم يمض وقت طويل حتى كانت معرفتي بك، وقتها أدركت أنك ستكون بإذن الله عوضا عن أبي، ستكون لي أبًا آخر ..

الرسالة الثانية والأربعون (من أخ كريم من أبناء مدينة رشيد -طالب بالثانوية العامة)

الأب الفاضل

الحمد لله الذي عرفني بك وجمعني معك على الخير وأدعو الله ألا يفرق بيننا. ذلك التعارف الذي غير وسيغير من حياتي - إذ أن حياتي إلى وقت قريب كانت الدعوة فيها شيئا كماليا، إذ كنت أعيش كي آكل وأعمل وأنام وإذا بقي وقت جعلته للصلاة - ولكن بعد أن تعرفت بكم وخرجت من رشيد، آمنت وأيقنت أن الإنسان لم يخلق إلا للدعوة الإسلامية.

أيها الأب العطوف .. أنا أكتب إليك تلك الرسالة وبنفسي من الأشواق والعاطفة ما تمتلئ به نفسي، ولكني ظللت أكتم عنك أشواقي وولعي برؤياك، وكنت أتقابل معك كثيرا فلا تساورني نفسي مرة أن أخرج لك ما في قلبي، فالحب لا يظهر إلا في أوقات الفراق، ولا أنسى يوم تعرفت عليك وكانت السماء ممطرة ملبدة بالغيوم وكانت الحجرة التي تقابلنا فيها مظلمة لانقطاع التيار، وعندما دخلت أنت الحجرة وجلست إلينا ما كنت لأرى منك إلا بريق العينين وبياض الشعر، هاتان العينان اللتان تضيئان في الظلام، والنور ينبعث منهما سحرا يجذب إليه القلوب - وفي تلك الليلة ما رفعت عينيَّ عنك لحظة لأنني كنت أحس أن شيئا غريبا يشدني إليك.

الرسالة الثالثة والأربعون

والدي الحبيب

أطلب من هذا القلم الأصم أن يكتب ولكنه يقف عاجزا أمام تلك الدموع ليرسم ما في قلبي من عواصف عاطفية تجتاحني بين الحين والآخر، فأطير في شرود في نعيم الحب في الله تعالى، ثم أحلق في السماء عاليا لأبحث عن عش ألجأ إليه فلا أجد نفسي إلا وأنا بين قلوب إخواني المسلمين حفظهم الله تعالى.

نعم تلك هي الساعة الوحيدة التي أشعر فيها بنفسي وبأننا نعيش وحدنا في هذه الدنيا الغرور، وأن غيرنا جسد بلا روح يأكل ويشرب وينام. لا يعي ولا يحس وبذلك يبقى في غمرة وسبات عميق. إننا بحمد الله بأرواحنا نتقابل ونتناجى في ظل إسلامنا العظيم الذي كرمنا وشرفنا وأحيانا بهذه الأخوة الخارقة التي أنارت للبشرية طريقها إلى العلياء وتنال ما ترجوه من النعماء.

كم أشعر يا والدي بفرح شديد يغمرني وراحة نفسية تملأني وصفاء ذهني ينسيني هموم الدنيا .. كل ذلك عندما ألتقي بك وأجلس إلى جوارك وأناجيك بروحي وأخاطبك بقلبي وعيني، فأتركك وقد شحنتني بذلك الحماس الإيماني الذي يكفيني لمدة حتى ألقاك مرة أخرى، ونبض كلماتك ترن في أذني تذكرني وترشدني إلى كل خير، فأذكرك بكل خير وأدعو الله لك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت