فهرس الكتاب
وهذا مايظهر جليًا إذا عرفنا معنى الحديث وتأملناه دون أن نبتر منه جزأ منه فقط , فقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الدنيا ملعونة , ملعون مافيها إلا ذكر الله , وما والاه , أو عالمٌ أو متعلم ) ).
ولكن هؤلاء الجامدين تركوا العلم والتعلم الذي تنهض به حياتهم , وأعتقدوا ان الدنيا كلها شر ومفسده , وأنه لانجاة إلا بالعزلة عن أهلها , والبعد عن عمارتها والعمل فيها , ثم الإنزواء في زوايا المسجد ترقبًا لساعة الأجل . !
2 -إحتقار الإنسان
وهو احد اسباب الذل الذي ابتلي به المسلمون , والجهل الذي وصلوا إليه .. ذلك التدين الفاسد الذي يسيء تصور الملكات والغرائز الإنسانيه , وينظر إليها نظرة إزدراء , ويحصر تقويمه للإنسان في أنه تخلق من نطفة قذره , وينتهي إلى جيفة مذره وهو بينهما حامل بول وعذره .
وإذا كانت الناحية الحيوانية في الإنسان لاتخرج عن هذا النطاق , لكن الإنسان ليس حيوانًا فقط , بل انه مخلوقٌ مكرم نفخ فيه الروح , وأعلي قدر ومكانته .
وربما كانت الحملة على الإنسان كسرًا للغرور الذي يشيع بين جمٍ غفير من الناس , وتهذيبًا للنفس .. إلا ان الأمر انقلب إلى الضد بالمبالغة في هذا الجانب , والإفراط فيه , فلم يذهب الغرور فقط وإنما ذهبت معه عزة النفس والشخصية الحرة , والإرادة والتفكير , ولم نحصل الا على جيل ذليل يحتقر نفسه , ولا يصلح لعلم أو عمل .
ان رسالة الإنسان في الحياة لاتتم إلا باحترام ملكاته وإنماء مواهبه , وترك رغباته تنساب وفق مقتضيات الفطرة السليمه .
إن الإسلام لايدمر الإنسان ولا يقتل غرائزه , ولكنه يحسن توجيهها إلى اهدافها , ويحول انطلاقها الفوضوي إلى انسياب دقيق .
ولكن هؤلاء الجاهلين بحقيقة االإسلام قتلوا غرائز الإنسان بدعوى الزهد والرهبانية , وقتلوا معه كل قدرة على انتاجه ورُقيه , وتقدمه العلمي والحضاري .