2 -التزهيد في الدنيا، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يتخذها وطنًا يركن إليها، وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر.
قال - صلى الله عليه وسلم - (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.
-قال بعض العلماء: فتأمل هذا المثال، ومطابقته للواقع سواء، فإنها في خضرتها كشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئًا فشيئًا كالظل، والعبد مسافر إلى ربه، والمسافر إذا رأى شجرة في يوم صائف لا يحسن به أن يبني تحتها دارًا، ولا يتخذها قرارًا، بل يستظل بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق.
-وقال تعالى {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} .
بين الله تعالى في هذه الآية حال الدنيا التي افتتن الناس بها الذين قصر نظرهم، وبيّن أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء، فضلًا عن الافتتان بها والانهماك في طلبها وقتل الوقت في تحصيلها بأنها لعب لا ثمرة فيه سوى التعب، ولهو تشغل صاحبها وتلهيه عما ينفعه في آخرته، وزينة لا تفيد المفتون بها شرفًا ذاتيًا، ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أنها مع ذلك سريعة الزوال، قريبة الاضمحلال، كمثل غيث راقَ الزراع نباته الناشيء به، ثم يهيج ويتحرك وينمو، فسرعان ما تراه مصفرًا متغيرًا ذابلًا بعدما رأيته أخضر ناضرًا، ثم يصير من اليبس هشيمًا متكسرًا.
من أقوال السلف:
-قال عيسى ابن مريم: " من ذا الذي يبني على موج البحار دارًا، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا ".
-وقال موسى عليه الصلاة والسلام: " اعبروها ولا تعمروها ".
-وقال أبو الدرداء لأهل الشام: " يا أهل الشام! ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتًؤمّلون ما لا تدركون، إن الذين قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا وجمعوا عتيدًا، فأصبح أملهم غرورًا، ومساكنهم قبورًا ".
-قال عمر بن عبد العزيز: " ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وشابها يهرم، وحيها يموت، فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، فالمغرور من اغتر بها ".
وقال علي: " ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل ".
وقال ابن السماك: " إن الموتى لم يبكوا من الموت، ولكنهم يبكون من حسرة الفوات، فاتتهم والله دار لم يتزودوا منها، ودخلوا دارًا لم يتزودوا لها ".
وقال بعض العلماء: " أيها الإنسان إنما أنت نازل من الدنيا في منزل تعمره أيام عمرك، ثم تخليه عند موتك لمن ينزله بعدك ".
قال الشاعر:
إن لله عبادًا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا إليها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
أحسن علاج للزهد في الدنيا وعدم الركون إليها هو قصر الأمل.
قال ابن القيم: " قصر الأمل: هو العلم بقرب الرحيل، وسرعة انقضاء مدة الحياة، وهو من أنفع الأمور للقلب، فإنه يبعثه على معافصة الأيام، وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب، ومبادرة طيء صحائف الأعمال، ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء، ويحثه على قضاء جهاز سفره، وتدارك الفارط، ويزهده في الدنيا، ويرغبه في الآخرة، فيقوم بقلبه _ إذا داوم مطالعة قصر الأمل _ شاهد من شواهد اليقين، يريه فناء الدنيا، وسرعة انقضائها، وقلة ما بقي منها، وأنها قد ترحلت مدبرة، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وأنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على روؤس الجبال، ويريه بقاء الآخرة ودوامها، وأنها قد ترحلت مقبلة، وقد جاء أشراطها وعلاماتها، وأنها مع لقائها كمسافر قد خرج صاحبه يتلقاه، فكل منهما يسير إلى الآخر، فيوشك أن يلتقيا سريعًا ".
إلى أن قال رحمه الله:
" ويكفي في قصر الأمل:
قوله تعالى {أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} .
وقوله تعالى {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم} .