وقال - صلى الله عليه وسلم - (اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم.
قال ابن رجب رحمه الله: " والمراد من هذا أن هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال، فبعضها يشغل عنه، إما في خاصة الإنسان، كفقره، وغناه، ومرضه، وهرمه، وموته، وبعضها عام كقيام الساعة وخروج الدجال، وكذلك الفتن المزعجة، كما جاء في الحديث: بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم ".
وقال عمر: " التؤدة في كل شيء خير إلا ما كان من أمر الآخرة ".
وكان الحسن يقول: " عجبًا لقوم أمروا بالزاد، ونودي فيهم بالرحيل، وحبس أولهم على آخرهم، وهم قعود يلعبون ".
وقال أبو حازم: " إن بضاعة الآخرة كاسدة، يوشك أن تنفق فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير ".
وكانوا يبادرون بالأعمال غاية ما يمكن:
فكان ابن عمر يقوم في الليل فيتوضأ ويصلي، ثم يغفي إغفاء الطير، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، ثم يغفي إغفاء الطير، ثم يقوم يصلي، يفعل ذلك مرارًا.
وكان عمير بن هانى يسبح كل يوم مائة ألف تسبيحة.
وقال أبو بكر بن عياش: " ختمت القرآن في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة ".
5 -إن الإنسان إذا لم يستغل حياته وصحته فإنه يندم حين لا ينفع الدم، ويتمنى الرجوع فلا يستطيع.
قال تعالى {أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} .
وقال تعالى {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} .
قال سعيد بن جبير: " كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة ".
6 -امتثل ابن عمر وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا وعملاُ.
أما قولًا، فإنه كان يقول: " إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ".
وأما في الفعل: فقد كان - رضي الله عنه - على جانب كبير من الزهد فيها والقناعة منها باليسير الذي يقيم صلبه ويستر بدنه، وما سوى ذلك يقدمه لغده.
قال جابر بن عبد الله: " ما رأينا أحدًا إلا قد مالت به الدنيا أو مال بها إلا عبد الله بن عمر ".
وقالت عاشة: " ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من ابن عمر ".
الحديث الحادي والأربعون
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.
معاني الكلمات:
لا يؤمن أحدكم: أي الإيمان الكامل.
هواه: ما يهواه ويقصده ويحبه، وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه.
تبعًا: أي تابعًا.
لما جئت به: أي من الشريعة.
الفوائد:
1 -لا يكمل إيمان أحد حتى يكون هواه وميله إلى الشريعة وتحكيمها.
2 -أن من كان هواه وميله لما جاءت به الشريعة فهو كامل الإيمان.