الصفحة 98 من 108

قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لا ئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} .

قال ابن القيم: " فذكر لهم أربع علامات:

أحدها: أذلة على المؤمنين، قيل معناه أرقاء، وقيل: رحماء مشفقين عليهم، عاطفين عليهم.

العلامة الثانية: أعزة على الكافرين، قال عطاء: للمؤمنين كالوالد لولده، والعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته (أشداء على الكفار رحماء بينهم) .

العلامة الثالثة: الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد، واللسان، والمال، وذلك تحقيق دعوى المحبة.

العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهذا علامة صحة المحبة ".

ومنها: كثرة ذكره سبحانه، لأنه من أحب شيئًا أكثر من ذكره.

ومنها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم.

لأنه ما تقرب المتقربون بمثل ما خرج من الله، وهو القرآن.

قال خباب: " تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه.

لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم ".

كان بعضهم يكثر تلاوة القرآن، ثم اشتغل بغيره، فرأى في المنام قائلًا يقول:

إن كنتَ تزعمُ حبي ... فلم جفوتَ كتابي

أما تأملت ما فيه ... من لطيف عتابي

9 -فضل المداومة والاستمرار على العمل الصالح، لقوله (ولا يزال عبدي يتقرب .. ) فلا يعتبر الإنسان متقربًا إلى الله بالنوافل محافظًا عليها إلا باستمراره على هذه الطاعة، وإلا فلا يعتبر متقربًا إلى الله بالنوافل.

فالعمل الصالح المستمر مهم لأمرين:

أولًا: أن هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

عن عائشة. قالت (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا عمل عملًا أثبته) رواه مسلم.

ثانيًا: أن الأعمال المداوم عليها أحب إلى الله.

قال - صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفق عليه.

وإذا كان العمل الصالح مداومًا عليه، فإنه يكون له آثارًا إيجابية:

منها: دوام اتصال القلب بالله.

ومنها: سبب لمحبة الله.

ومنها: سبب للنجاة من الشدائد.

كما قال - صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي.

10 -أن الله إذا أحب إنسانًا وفقه وسدده، ففي بصره فلا يرى إلا خيرًا، وفي سمعه فلا يسمع إلا خيرًا، وفي يده فلا يبطش إلا على حق. وفي رجله فلا يمشي إلا إلى خير. وإذا سأله أعطاه وأجاب دعاءه، وأعاذه مما يكره.

وقد كان كثير من الصحابة مجابوا الدعوة: مثل سعد بن وقاص، وسعيد بن زيد.

ــ عن جابر بن سمرة قال: (شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر رضي الله عنه، فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون انك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحاق: أما أنا، والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الأوليين، وأخف في الأخريين. قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. فأرسل معه رجلًا، أو رجالًا، إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإن سعدًا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن. وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن) . رواه البخاري

ــ عن عروة: (أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: وما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين " فقال له

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت