فهرس الكتاب
لقد بلغت مبيعات هذه الصكوك حتى في القرى الصغيرة جدًا ثمانية آلاف فلورين ذهبي، ودفعت مدينة ألمانية واحدة"لوبيك"عشرين ألف قطعة ذهبية، واستطاع أن يجمع رسل البابا من ألمانيا أكثر من مئة ألف قطعة ذهبية، ومن أجل زيادة عدد المدن والقرى من أجل بيع صكوك الغفران فيها، قام"كوسا"فور تسلمه الكرسي البابوي بإجراءات محادثات مع أولئك الحكام، الذين لم يؤيدوا قرارات مجمع بيزا واستطاع أن يقنعهم بالاعتراف به بابا باسم يوحنا الثالث والعشرين.
من المعلوم أن"كوسا"كان سياسيًا لامعًا، وهذه الصفة ساعدته في تحقيق الاتفاق ليس مع ملك هنغاريا وبوهيميا وسيغيزموند فحسب بل والبدء في المفاوضات مع العدو القديم واللدود للكرسي المقدس ملك نابولي، وقد اتسعت رقعة الأراضي وازداد عدد السكان الواقعين تحت التأثير الروحي لبطلنا، وتسرب عملاء يوحنا الثالث والعشرين الذين يبيعون"مغفرة الخطايا القديمة والجديدة"إلى جميع بلدان أوربا الغربية تقريبًا، وأصبح بالإمكان مساعدة هؤلاء في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وبولونيا وبوهيميا وهنغاريا والبلدان الأخرى، وهم ينادون الشعب: اشتروا أيها الخطاة إذا كنتم مؤمنين ... اشتروا وطهروا أرواحكم من الآثام .. اشتروا فالثمن رخيص والمفعول كبير.
لم يأبه الشعب بالجوع والحرمان، لأن الحروب المستمرة أذاقته الكثير منها، لذلك كان يقبل على شراء هذه الصكوك وسط نداءات باعة صكوك الغفران (1)
(1) - من الجدير بالذكر أن هذه الطريقة لابتزاز الأموال من بسطاء الشعب لصالح الكنيسة الغربية لم تكن من اختيار البابا.
فالقارئ يذكر جيدًا كيف أن البابا بونيفاس التاسع باع صكوك الغفران على نطاق واسع، وهو لم يكن أول من أوجد هذه البدعة لأنها ظهرت قبله بزمن بعيد، ففي عام 1032 استطاع رهبان دير قديم في كاسافرا إن يقنعوا إحدى الأسر الغنية جدًا بضرورة تخصيص مبلغ معين لترميم الدير، إذ قال الرهبان لأفراد هذه الأسرة:
يجب أن تدفعوا هذه الأموال لتنقذوا أنفسكم من العقاب العسير الذي ينتظركم مقابل خطاياكم التي ارتكبتموها، وإلا فإنكم ستذهبون إلى عالم آخر، ويلقى بكم في نار جهنم، حيث ستعذبكم الشياطين بلا شفقة ولا رحمة، وذات مرة حضر رهبان الدير إلى المركيز مالفريدو الإقطاعي الغني من دير يقع في جزيرة تريميتي، وقالوا له بأنه لا مفر أمامه من غضب الله، إلا إذا غفرت خطاياه العديدة فسألهم بخوف وهلع:
وما الذي يجب عليّ أن أفعله؟ فقالوا له:
هناك طريقة واحدة ناجحة فقط، وهي أنه قبل موتك عليك أن تحسن إلينا، وتكتب وصية تذكر فيها أن الدير يجب أن يرث كل أملاكك وأراضيك، وبذلك تخلص روحك من العذاب وبالفعل نفذ هذا الطلب. (75) .