الصفحة 43 من 204

ويتعين على القراء أن يكونوا على علم بأن مدير ديوان التفتيش، حتى وإن كان راهبًا بسيطًا، لم يكن ليخشى أحدًا ولو كان كاردينالًا بفضل الصلاحيات المخول بها من السلطة الدينية المقدسة، وكان يتبع مباشرةً للكرسي البابوي، ومن هنا لا يجوز الاستخفاف بالأخطار الرهيبة التي تنتظر بطلنا والفتاة وكل الذين يقعون بيد محاكم التفتيش.

قد تبدو التّهم التي أشرنا إليها مدعاة للضحك في الوقت الراهن، إلا أن عقوبة مثل هذه الاتهامات في ذلك العصر هي الموت المحقق والشنيع على يد محاكم التفتيش ( سيف الكنيسة الغربية ) (1)

(1) - كتب"دي بوتي"المؤرخ الشهير الذي عاش في القرن التاسع عشر في مؤلفه"تاريخ المسيحية"كان يتعين على الكاثوليكية أن تلجأ إلى استخدام السلطة والقوة والتعذيب والإرهاب وإلا توقفت عن الاستمرار في الوجود، وهذا ما يفسر ظهور القوانين الجائرة في المحاكم المقدسة، فقد نصت إحدى المواد أنه ( يجب المصادقة على تهمة الهرطقة حتى لو شهد على ذلك واشي واحد فقط ) .

وفي بداية القرن الثالث عشر ظهرت في إيطاليا وفرنسا أولًا، ثم في إسبانيا وألمانيا فيما بعد محاكم التفتيش التي شرعت في ملاحقات لا سابق لها استهدفت المارقين على الدين، ويعود سبب ما أصابت أعمالها من نجاح إلى أنها كانت تتم تحت شعار مكافحة الزنادقة والسحرة"شركاء الشياطين في الجريمة"طبقًا لتشريع قوانين الفاتيكان التي قام على إعدادها خيرة"رجال الكنيسة حكمة وتفكيرًا"ولم يكن تنظيم الملاحقات من اختصاص سلطات الكنيسة المحلية، أو أساقفة كل منطقة على حدة، أو السلطات الدنيوية للأقطار، وإنما كانت مركزية في الفاتيكان يشرف عليها البابا نفسه، وقد قامت بتنفيذ كافة عمليات الملاحقة والمطاردة ( جمعية الأخوة الرهبانية للقديس دومينيكان ) التي أظهرت الولاء والإخلاص للكرسي المقدس، وكان أعضاؤها وكلاء مفوضين من قبل البابا في جميع البلدان، فلجؤوا إلى استخدام كافة الوسائل لتأمين سيطرته على الشعوب، وراح الرهبان"المساكين"يجوبون القرى والمدن يجمعون الصدقات والحسنات التي يعيشون عليها، لكنهم وإلى جانب ذلك كانوا يجمعون الأخبار عن الأشخاص الباحثين عن الحقيقة ( وقد اعتبر ذلك سحرًا ) وعن أولئك الذين يتجرؤون على الشكوى من استهتار البابا وأتباعه ويعيبون حياة الترف والفسق التي يحياها من يقفون على رأس الكنيسة الغربية، واستنادًا لهذه المعلومات قدم للمحاكم الأشخاص الداعون إلى إصلاح الكنيسة والعودة بها إلى بساطة الحواريين. ويعلو على الوصف نشاط أعضاء"جمعية الأخوة الرهبانية للقديس بطرس"التي انتشرت في أوربا الغربية تتعقب المارقين على الدين والسحرة الذين خانوا وغدروا بالكنيسة الأم، ولم يتوقف سعي الرهبان للثأر وحبهم للانتقام عند حد، فأحرقوا بيوت ومزروعات المرتدين عن الدين وعبيد الشيطان.

وقد أوعز البابا غونوري الثالث إلى الأساقفة بتسهيل أعمال أعضاء هذه الجمعية الذين وصفهم بالمبشرين الملهمين لتعاليم الكنيسة ورسلها في جميع الأقطار، فقامت السلطات الدينية والدنيوية بتقديم الدعم لهم فشكلت العديد من جماعات الوشاة والمخبرين عن المشتبه بهم =

= وجدير بالذكر أن الملوك والأباطرة اعتبروا أن من صالحهم مساعدة الكنيسة حليفتهم في الكفاح، فسعوا إلى قمع كل فتنة دينية وبسطوا حمايتهم على الرهبان الباحثين في المدن والقرى عن عصابات المرتدين والسحرة، وأمروا بإلقائهم في السجن وتمكين أتباعهم من القبض على المشتبه فيهم ( 25 ) .

وفي بداية عام 1483 أسند ديوان التفتيش للأب"توما"وعلى مدى ثمانية عشر عامًا من شغله هذا المنصب أحرق في بلد واحد فقط عشرة آلاف إنسان، وقد أقيمت في الأيام التي كانت تجري فيها عمليات إحراق المناهضين لأفكار الكنيسة احتفالات كبيرة تقاطر إليها عشرات الآلاف من البشر من كل صوب وحدب إلى الساحة الرئيسية حيث يقف على كومة من الحطب المحكومون بالمروق من الدين، ولكي يلفتوا انتباه النظارة في هذا"الاحتفال الرسمي"كانت تتم دعوة مسؤولين كباراُ من الكنيسة وممثلي الطبقات الراقية وأحيانًا الملك نفسه، وكان رجال الكنيسة ينتهزون أمثال هذه الفرص فيتوجهون إلى الأعداد الغفيرة من الجماهير بخطب نارية ضد المرتدين عن الدين، ثم يقدمون في النهاية للحشود التي طال انتظارها هدية هي منظر ومشاهد أناس يحترقون وسط اللهب المتعالي.

ويتسلى الدهماء وهم يتأملون ذلك المشهد الحي، فتزوغ أبصارهم في حيرة إلى من ينظرون وإلى من يتطلعون ثم يهتفون بصوت واحد لخلاص البشرية من أعداء الكنيسة والسلطة السياسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت