فهرس الكتاب
شيء واحد فقط يمكن الإبقاء على حياتهم هو"الاعتراف المخزي والمهين (1) "
(1) - وقع / 17000 / إنسان في إسبانيا عام 1482 فقط"اعترافًا"حيث آثروا هذه الإهانة على الموت وتفاديًا للتعذيب الذي يسبق المحاكمة والآلام الرهيبة التي يتعرضون لها لشهور عديدة حتى يتم"انتزاع"اعتراف منهم.
وتم في السنة الأولى لظهور محاكم التفتيش في إسبانيا حرق وقطع رؤوس حوالي ألف إنسان على منصات الإعدام، فيما اعترف سبعة آلاف شخص بذنوبهم وطلوا الغفران فأبقوا على حياتهم، ثم حرقوا هياكل لهم على شكل"فراعات"لإرهاب الآخرين، أما الأشخاص أنفسهم فقد ألقوا في غياهب أقبية سرعان ما لاقوا حتفهم فيها وصادروا بيوت وأملاك أقاربهم وطردوهم من مدنهم وقراهم.
وجرى في إسبانيا وبأمر من الكنيسة تعميد اليهود والمسلمين في الديانة المسيحية، وطرد الملك"فرديناند"الكاثوليكي عام 1492 من إسبانيا كافة اليهود الذين رفضوا اعتناق المسيحية، وقد بلغ عددهم حوالي سبعة ألف أسرة، أي حوالي مليون إنسان، مات الآلاف منهم نتيجة اليأس والجوع والعطش والبرد خلال العواصف في البحر الأبيض المتوسط ومن معاملة البحارة المسيحيين لهم الذين غالبًا ما كانوا يلقون بهم في البحر ليستأثروا بما تبقى من طعام يسير لديهم، وكان أسوأ من ذلك معاملة محاكم التفتيش لمسلمي إسبانيا الذين اعتبرتهم"خارجين على الدين"وبكلمات أخرى المحكوم عليهم بالموت والذين ينتظرون عمليات التعذيب الرهيبة ثم الحرق.
وحدث أن بسطت الحكومة حمايتها عليهم، فوافقت الكنيسة على"التسامح"معهم شريطة أن يغادروا إسبانيا إلى الأقطار الإسلامية، وتم بالفعل تحميلهم على السفن.
لكن كيف تسنى لهؤلاء الوصول إلى البلدان الإسلامية، فمن المجموعة الأولى البالغة / 140000 / مات بتأثير العطش / 100000 / ومن المفارقات أن المسلمين أنفسهم كانوا يعتبرون المغاربة - مسلمي إسبانيا - من الكاثوليك الأوربيين، غير أن الكنيسة قضت عليهم بالموت فطردهم الملك من البلاد بوصفهم مسلمين، وباستثناء الذين لاقوا حتفهم نتيجة الأسباب التي ذكرناها فقد مات العديد منهم على يد طواقم السفن التي حملوا عليها حيث كانوا يقتلون الرجال أمام أعين نسائهم ويأخذون الزوجات والبنات كمحظيات وخليلات إلى أن تمل نفوسهم منهن فيلقون بهن إلى البحر ليختاروا غيرهن من جديد.
وهكذا كانت حصيلة مجازر المسلمين واليهود في إسبانيا حوالي ثلاثة ملايين إنسان ( 63 ) .
وثمة قصة مشهورة في التاريخ هي قصة فرسان المعبد الفرنسيين من جمعية"الأخوة الرهبانية للقديس تامبلر"فقد أقدم الملك والبابا"كليمنتو الخامس"على التخلص منهم للاستئثار بثرواتهم، وذلك بتلفيق تهم سخيفة ضدهم هي الركوع للشيطان والتبرؤ من المسيح والفسق وسفك دماء الأطفال، فثارت عليهم ثائرة السلطتين الدينية والدنيوية وتنادى الجلادون أساقفة"أبرشيات سينا ورونا وروان ، وأساقفة الأرياف إلى اتخذ القرار، فكان ما توصلوا إليه هو إذا أنكر المذنبون اعترافاتهم التي أدلوا بها بعد التحقيق أي"تحت التعذيب"اعتبر ذلك إدانة جديدة لهم في الوقوع بالشرك بالله وارتداد عن الدين والتبرؤ من المسيح وفي الحالتين يجب أن يحرقوا."
وتم رفع الفرسان بمعدل كل خمسة عشر فارس على أكوام من الحطب، ثم أحرقوا أحياء واعتبر الشعب ذلك قصاصًا عادلًا، وبعد دفنهم سرت أقوال بأن جثثهم دنسة فنبش الدهماء قبورهم وأحرقوها من جديد وذروا رمادها في الهواء.
ويروون أن"ياكوف موليه"كبير فرسان الجمعية توجه إلى البابا قبل أن يأتي عليه لهب النيران، فدعاه للمثول أمام الرب بعد أربعين يومًا، والملك بعد عام.
ترى هل كان قضاء وقدرًا أن يموت البابا بعد أربعين يومًا من حرق"ياكوف موليه"وأن يلحق به الملك بعد سنة... أليس في هذا من الغرابة ما يكفي؟