فهرس الكتاب
منذ شهر بالتمام على هذه الحادثة وبطلنا طليق ( وقد تخفى بعض الوقت في بولونيا ) ، حيث تسنى له الهرب حتى دون أن يستفيد من مبرد دقيق أوصلته له"إيما"خلسةً مع خنجر، وقد واتته الفرصة في اليوم التالي على زيارتها أن يمسك بأحد رؤساء"حرس القديسة مريم"الذي جاء يتفقد حجرته بعد أن كمن له خلف بابها، وأطبق"كوسا"عليه عندما أطل برأسه من نافذة صغيرةً وطَوَّقَ عنقه بسرعة بإحدى يديه وكَمَّ أنفه باليد الأخرى، ثم ضغط بقوة على حنجرة السجان إلى أن فقد وعيه، فتناول منه المفاتيح وفتح الباب، ثم قام بسحب الجثة إلى داخل الحجرة وراح ينزع عنها ثوب الحرب ليرتديه ويتخفى به، لكنه فوجئ بسماع وقع خطوات وصوت ينادي على رئيس الحرس.
فكر بابا المستقبل أن لا وقت للتردد فاندفع من الحجرة وهو يستل خنجرًا أغمده في قلب الوافد الجديد وجرَّه إلى الحجرة، ثم طرح عن نفسه وبكل هدوء الثياب التي ألبسوه إياها لشهر كامل وارتدى الزيّ المسيحي.
هبط"بالتازار"الدرج بخطىً ثابتة وهو يخفي خنجرًا في ثنايا ملابسه وأنزل القلنسوة التي يضعها على رأسه حتى جبهته، وتحاشى المرور بصالة القصر الكبيرة - وهي الصالة التي عقد فيها بعد خمسة وعشرين عامًا اجتماعًا سريًّا حضره الكرادلة وتم فيه انتخابه بابا- وخرج إلى الساحة الرئيسية ليتوارى بعدها وبسرعة عن الأنظار في شوارع"بولونيا".
عرج"بالتازار"على بيت"إيما"ليزف لها نبأ فراره وحسب، حيث لم يمكث فيه لعلمه أنه سيكون في أوليات أماكن البحث عنه من قبل محاكم التفتيش، لقد كان يعرف كثيرًا الأماكن الآمنة المنعزلة، وعلى الرغم من ذلك لم يكن ليطمئن في المبيت ليلتين متتاليتين في بيت واحد، فأخذ في التنقل صباحًا ومساءً وليلًا من بيت إلى آخر وقد وفر له ذلك آلاف من أشياعه ومحبيه في أوساط جامعة"بولونيا".