الصفحة 59 من 204

اندفع"غوانداتشو"لتنفيذ الأمر بعد أن كاد يهوي في البحر، ودوّى صوت"كوسا"في السفن يصدر الأوامر برفع الحبال وإنزال الأشرعة والحفاظ على اتجاه الشمال الغربي.

زاد هياج البحر وتسارعت الأمواج واشتدت الريح فتأرجحت السفن حتى بدت وكأنها تئن تحت عصفات الإعصار فتمسك"كوسا"بِصارٍ (1) ليتمالك نفسه من الوقوف على قدميه وعدم السقوط، والسفينة تتمايل وتصعد ثم تهبط، وشاهد - على النور الباهت للمشاعل - أشباح الرجال المنهمكين في تنفيذ أوامره وقد جثوا على الأرض يزحفون متشبثين بالحبال والصواري.

وصدرت من داخل السفينة صرخات وعويل استغاثة العبيد والنساء والرجال المكبلين بالسلاسل وقد تَمَلَّكَهُمُ الرعب والجزع، وجلست"ياندرا"على أرض القُمْرَةِ الكبيرة في مقدمة السفينة وهي تتشبث بأحد الأعمدة كأنها قيدت إليه، حتى الرجال الذين اعتادوا البحر ووهبوه سنين من عمرهم انتابهم الذهول، فراحوا يبحثون عن أي شيء يتمسكون به فتعلقوا بالحبال والتصقوا بالصواري، وانبطح كثيرون منهم على ظهر السفينة، وقد أمسكت أيديهم بالأطراف البارزة للعنبر الكبير، حيث تكدس العبيد التعساء يتصارخون ويُوَلْوِلُونَ بيأس.

وفجأةً شقَّ بريقٌ السحب السوداء فأضاء المكان وتبعه هزيم رعد ارتعدت له الأوصال، وتساقطت قطرات ماء كبيرة، ثم سرعان ما انهال وابل غزير من المطر، وبدا كأن السماء انشقت عن طوفان هائل ينذر بالأخطار فجاشت على ظهر السفينة تيارات متدفقة من الماء فصرخ"كوسا":

إيه لعل المصارف قد سدت هيا نظفوها

ولم يستطع أحد أن يأتي بأية حركة.

توالى هزيم الرعد فاختلط بعويل العبيد الهالكين في العنبر مع أصوات تصدع السفينة عند ارتطام الأمواج الهائلة بجوانبها.

(1) - صارٍ: جمع صواري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت