فهرس الكتاب
فَكَّرَ"كوسا"وهو ينظر إلى الأمواج التي تتقاذف السفينة في عدد الأفراد الذين سيلقون حتفهم غرقًا وفي المياه التي لن يطول الوقت بها حتى تستقر في قاع البحر وفكر أن عليه أن يقوم بشيء ما لإنقاذها.
لم يكن باستطاعة أحد أن يتزحزح من مكانه، وراح الجميع يتطلعون بذهول إلى السماء والماء يتدفق منها، وجاءتهم أصوات العبيد الذين غصت حلوقهم وشرقوا المياه المالحة، وسمع"بالتازار"صوت"ياندرا"الرقيق يتوسل إليه أن يعمل على تحرير العبيد من السلاسل، فقطب حاجبيه وهو يلزم الصمت للاقتراب منها وتفكيره شارد في إنقاذ هذه السفينة على الأقل بعد أن يئس من السفن الأخرى التي لم يعد يرى أي أثر ولو لواحدة منها.
لم يتوقف الرعد واشتد هبوب الريح، وأحالت ومضات البرق المتواصلة الليل إلى نهار، وسكن الصراخ والعويل في العنبر، ولم يعد يسمع سوى صوت أنّاتٍ وبكاء ضعيف من العبيد، الذين بقوا على قيد الحياة يندبون من مات منهم ويتحسرون على حظهم ومصيرهم العاثر.
وتناهي إلى سمع"كوسا"من جديد صوت"ياندرا"المبحوح يسترحمه:
بالله عليك يا"بالتازار"
وقطع عليها توسلها فجأة عويل غريب أجبرها على التوقف عن متابعة توسلاتها، حيث اندفعت موجة هائلة عالية علو الجبال نحو السفينة من أحد جوانبها، وخرجت متدحرجة من الجانب الآخر تحمل معها صرخات ثلاثين من العبيد جرفتهم بعيدًا عن السفينة وسط الأمواج الهائلة، وترنحت السفينة التي ارتفعت مع الموجة التي علاها الزبد، ثم هوت متصدعة وكأنها شقت إلى نصفين.
تسنى لِ"كوسا"الوصول أخيرًا حيث توجد"ياندرا"التي بادرته بصوت مضطرب:
"بالتازار"ربما هلك العبيد جميعًا.
"ياندرا"... عم تتحدثين .... إن السفينة تغرق ولا أدري هل سننجو نحن أم لا....