فهرس الكتاب
كان"كوسا"ينتزع"الاعترافات"دون هوادة، وبدون كلل أو ملل، فهو لا يزال يتذكر كيف أن ديوان التفتيش والتعذيب العتيد كان يستنطقه في مثل هذه الحجرة، ومثل هذه الذكريات كانت تساعده على الاحتفاظ بالهدوء وبرودة الدم، إلا أنه كان يرى كيف أن كلا مساعديه وخاصة الجبار الذي يرتدي الثوب الكهنوتي يشفقان على المتهمين، وها هو"بوناكورسو"يحدق بعينه الوحيدة التي تترقرق بالدمع الذي كاد أن ينهمر، ولاحظ ابن أخ البابا -"حاكم"كابو، أمالفي، ونوتشيرا، الذي كان يحضر أعمال التعذيب - رقة المشاعر لدى ذلك الجبار ذات مرة فأخذ يقهقه متهكمًا عليه أمام عيني راعي الكنيسة الذي كان يتعرض للتعذيب، أما أوربان السادس الذي كان يدندن مترنمًا في الحديقة تحت النافذة المطلة على حجرة التعذيب ويختلط صوته الشادي مع الصرخات المؤلمة التي يطلقها الكاردينال المعذب، فقد استغرب الضحك على وجه ابن أخيه فهرول ليرى ماذا يجري هناك، لقد رأى العملاق الذي منحه منذ وقت قصير لقب رجل الدين والذي وثق به في القيام بمثل هذه الأعمال، جالسًا خائر القوى ويكاد يذرف الدمع من شدة التأثير والحزن.
استشاط أوربان السادس غضبًا وغيظًا واحتقن وجهه بالدماء، ورمق"غوانداتشو"بنظرة غاضبة ثم صرخ قائلًا:
انظروا إلى هذا الإنسان الذي أوكلت إليه مهمة التحقيق، ما بك مشفقًا الآن على المتهمين ومسترسلًا في البكاء كامرأة عجوز.
يقول سكرتير ديوان البابا: ( إن ظاهرة العطف والشفقة الضئيلة جدًا أثارت غيظ البابا الذي كان غالبًا ما يحضر مثل تلك المشاهد غير الإنسانية التي لا يستطيع أي إنسان أن يخفي إزاءها ضعفه وشفقته، وها هو وجه البابا يحتقن بالدماء، إنه يصرخ بصوت حاد ومتقطع شديد النبرات حتى أنه ذات مرة كاد أن يطرد اثنين من المحققين عندما لاحظ أنهما لا يستطيعان احتمال منظر التعذيب ووحشيته ) .