استدل أصحاب هذا القول على كراهة السدل في الصلاة بالحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه [1] لكنهم حملوا النهي عن السدل في هذا الحديث على الكراهة [2] ، ولعل الصارف للنهي عن التحريم إلى الكراهة - عندهم - هو ما روى عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من الترخيص في السدل في الصلاة، هذا يدل على أنه لو كان النهي عنه للتحريم لما رخصوا فيه.
ويمكن أن يعترض على هذا الاستدلال بأن يقال: الأصل في النهي الوارد من الشارع التحريم، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل، وليس هناك دليل ظاهر يصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة [3] ، وأما ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من الترخيص في السدل فإن الحجة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا حجة في قول أحٍدٍ من الناس مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو - عليه الصلاة والسلام - قد ثبت عنه النهي عن السدل، على أن ما روى عن بعض الصحابة من الترخيص في السدل في الصلاة، معارض بما روي عن بعض الصحابة أيضًا من كراهة السدل في الصلاة، ولكن الذين روي عنهم كراهة السدل أكثر من الذين روي عنهم الترخيص فيه [4] .
أدلة القول الثالث:
لم أقف على دليلٍ ظاهرٍ لأصحاب هذا القول، ولكن يمكن أن يستدل لهم بأن يقال: لم يثبت النهي عن السدل في الصلاة وليس فيه إخلال بشرطٍ من شروط صحة الصلاة، فلم يكن محرمًا ولا مكروهًا، إذ التحريم أو الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.
(1) تقدم تخريجه (ص22،23) .
(2) ينظر: البناية في شرح الهداية (2/532) ، المغني 02/297، 298).
(3) ينظر: نيل الأوطار (2/68) .
(4) ينظر: الأوسط (5/58، 59) ، سنن البيهقي «السنن الكبرى» (2/243) .