ثم نزل فصلّى الظهر بالناس، ثم رجع فجلس على المنبر فقال:"أيها الناس، أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم"، ومعنى كرشي وعيبتي، أراد بهم بطانته وموضع سرّه وأمانته،"أيها الناس، إن عبدًا خيّره الله بين أن يؤتى من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله، فاختار ما عنده"، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بأبائنا وأمهاتنا، بقول أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - فعجبنا لبكاء أبي بكر وقوله، وعلمنا فيما بعد أن المخيّر هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن أبا بكر أعلمنا، ثم قال - صلى الله عليه وسلم:"إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلّة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر".
وفي يوم الخميس قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم - بأربعة أيام، وكان ابن عباس رضي الله عنهما كلما تذكر هذا اليوم بكى ويقول: يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس، ويبكي حتى يبلّ دمعه الحصى.