وبعدما صلّى بالناس في ذلك اليوم صلاة المغرب وقرأ فيها بالمرسلات عرفًا، ثم جاءت صلاة العشاء فلم يستطيع الخروج للمسجد قالت عائشة رضي الله عنها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أصلّى الناس؟"قلنا: لا يا رسول الله هم ينتظرونك، قال:"ضعوا لي ماءً في المخضب"وهو المغتسل، ففعلنا فاغتسل فقام ليذهب للمسجد فأغمي عليه ثم أفاق، فقال:"أصلّى الناس؟"قلنا: لا هم ينتظرونك، فقال:"ضعوا لي ماءً في المخضب"فاغتسل وأراد القيام فأغمي عليه خمس مرات، كلما قام أغمي عليه بأبي هو وأمي، وفي الخامسة قال بصوت قد هدّه المرض:"مروا أبا بكر فليصلّ بالناس"، فكرهت عائشة رضي الله عنها ذلك لئلا يتشاءم الناس بأبيها بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهيهات هيهات من الذي يُسدُّ مكانه، فقالت: يا رسول الله: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرن لا يملك ومعه، فلو أمرت بغيره، وأشارت إلى حفصة أن تقول مثل قولها: فقال - صلى الله عليه وسلم:"إنكن لأنت صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلّي بالناس".
فأتوا إلى بلال وقالوا له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك: مر أبا بكر فليصل بالناس، فيبكي أبا بلال - رضي الله عنه -، فالإمام العظيم اليوم يترك مكانه، والمحراب سيفقد شخصه الطاهر، اليوم سيفقد بلال والصحابة ذاك الصوت الرخيم المؤثر في القلوب يوم أن يرتل آيات القرآن يهزّ بها القلوب، ألا ما أعسرها من لحظة حق لبلال البكاء، سنيني عددًا وهو لا يصلّي إلا خلفه ولا يرى إلا ظهره واليوم يأتي ليصلي خلف غيره، وأنّى للغير أن يكون مثله.