أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال لعائشة رضي الله عنها عند الموت: ما أحد من الناس أحب إليَّ من عمر، ثم قال لها: كيف قلتُ؟، قالت: قلت: ما أحد من الناس أحب إلى من عمر، فقال: لا، ما أحد من الناس أعزَّ عليَّ من عمر.
فهذه المحاسبة من أبي بكر - رضي الله عنه - من دقائق الأحوال، فهي في لفظةٍ من الألفاظ، قد تكون خرجت لا عن قصدٍ، فكيف بمحاسبته لأعماله، وما يتعلق بها من إتمام واستيفاءٍ؟
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اشتهرت كلمته التي غَدَتْ مثلًا بين الناس، وهي: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر» .
وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة.
ولما شغلت الطير أبا طلحة في صلاته جعل حائطه - بستانه - صدقه لله عزَّ وجلَّ، ندمًا على فعله ورجاء العوض لما فاته.
والمتتبع لما نقل عنهم من أخبار وحكايات يجد ذلك بينًا في حياتهم - رضي الله عنهم - وسلك طريقهم في ذلك جماعة من ذوي السلوك والنسك، سلك الله بنا معهم.
أقسام المحاسبة
محاسبة المرء لنفسه وظيفة كبرى لاستمرارية سلوكه في تهذيب نفسه، وإصلاح خللها، ولذا كان العلماء من عنايتهم بها يقسمون محاسبة النفس إلى قسمين:
القسم الأول: محاسبة عامة، فيحاسبُ نفسه على ما بدر منها من تقصير بواجب، أو ارتكاب لمنهي عنه، فيعاتب نفسه على ذلك معاتبةً تثمر له زيادةُ في الخير، وتقليلًا من الشر، وملازمةً للهدى، ومفارقة للهوى.
وفي هذا إشارات للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله في «إحياء علوم الدين» (5/139) فلتراجع.
القسم الثاني: محاسبة خاصة، وهي متعلقة بجوارحه، فيقف عند كل جارحةٍ مِنْ جوارحه فيحاسبها على ما قدَّمته وما أسلفته.
والمقصود: بالجوارحُ والحواس، القلب، واللسان، والسمع، والبصر، والقدم، والفرج.