فهذه نعمة الله تعالى على العبد، وجناية العبد هي أفعاله: طاعةً أو معصيةً فيقايس بين الحسنات والسيئات فيعلم أيهما أكثر وأرجح قدرًا وصفةً.
وهذه المقايسة شاقة على العباد إلا على مَنْ له ثلاثة أشياء:
الأول: العلم الذي به التمييز بين الحق والباطل، وبه معرفة مراتب الأعمال، وكلما قوي العلم كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم.
الثاني: سوءُ الظن بالنفس، لأن حُسْن الظن بها يمنع من كمال التفتيش، فيُريها المساوئ محاسنًا، والعيوب كمالًا.
ومَنْ أساء الظن بنفسه فلمعرفته بها.
الثالث: التمييز بين النعمة والفتنة، فإن بعض النعم قد تكون استدراجًا من الله تعالى للعبد، ومن النعم ما تكون إحسانًا ولطفًا من الله.
فكل ما كان من نعم الله تعالى جامعًا للعبد على الله فهو نعمةٌ حقيقية، وكل ما كان مفرقًا له عن الله فهو بلاءٌ في صورة نعمة، ومحنة في صورة منحة.
الركن الثاني: التمييز بين ما لله تعالى على العبد، وبين ما للعبد أو عليه.
بيان: أن الله تعالى له حق على عباده، وهو: عبادته والتزام طاعته، واجتناب معصيته.
والعبد له حق وهو كل ما أباحه الشرع له.
والمقصود بالركن أن يؤدي العبد ما عليه مِنْ حق لله تعالى، فإذا أداه آتاه الله الحق الذي له.
والذي على العبد شيئان:
أولهما: لله تعالى، وهو حق العبودية وما يتبع ذلك.
ثانيهما: للخلق، فلا يمنع ذا الحق حقَّه؛ بل يؤدي ما عليه لهم.
(ولابد من التمييز بين ما لك وما عليك، وإعطاء كل ذي حق حقه، وكثيرٌ من الناس يجعل كثيرًا مما عليه من الحق من قسم ماله؛ فيتحير بين فعله وتركه، وإن فعله رأى أنه فضل قام به لاحق أداه.
وبإزاءِ هؤلاء مَنْ يرى كثيرًا مما له فعلُه وتركُه من قسم ما عليه فعله أو تركه، فيتعبد بترك ما له فعله، كترك كثير من المباحات، ويظن ذلك حقًّا عليه، أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقًّا عليه) [1] .
(1) «مدارج السالكين» (1/325) .