الصفحة 4 من 7

وبعد هذا جاء النهي بعدم التفرق والاختلاف لما فيه من فساد الأحوال كما حل بالذين تفرقوا من بعد ما بلغتهم الآيات، وفي هذا قال تعالى: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (3) ·

وأما السنة فقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجماعة وبين أن يد الله معها في قوله عليه الصلاة والسلام (يد الله مع الجماعة) (4) ·

كما بين عليه أفضل الصلاة والسلام أن الاجتماع مدعاة للصواب في قوله: (قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالكٌ) الحديث (5) ·

وأما المعقول فقد دلت الوقائع في كل أمر أن للاجتماع فوائد ومنافع منها ما هو محسوس بالمعنى، ومنها ما هو محسوس بالفعل، فالذين يجتمعون مثلًا لتدبر أمر أو فعل مّا يحس كل منهم بمسؤليته تجاهه فالإحساس بهذه الصورة إحساس بالمعنى، ثم ينقلب هذا الإحساس إلى إحساس بالفعل عندما يجتمع هؤلاء لتنفيذ الأمر أو الفعل، وغالبًا ما يتحقق المراد منه لكون الاجتماع بني على رأي، ومشاورة بعد تدبر أحس فيه كل واحد من أصحابه بمعناه فيه ·

والأصل في الإسلام إحياء المساجد بإقامة الصلاة فيها · فاقتضى هذا أن صلاة الجماعة واجبة على المكلف وجوب عين لا يسقط إلا بعذر والدلائل على ذلك واضحة من الكتاب، والسنة، والمأثور، فأما الكتاب فمنه قول الله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (1) ·

وهذا أمر بيّنٌ في أداء الصلاة في جماعة ذلك أن الأمر بالركوع جاء بصيغة الجمع لأدائها مع الراكعين وهؤلاء لا يكونون إلا جماعة فاقتضى ذلك استثناء المنفرد بصلاته منهم ·

ومنه قوله تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة الآية (2) · ففي هذا وصف لمن يعمر المساجد عمارة مادية ببنائها وصيانتها وتطهيرها، ووصف لمن يعمرها عمارة حسية بإقامة الصلاة فيها، فمن داوم على ترك الصلاة مع الجماعة خرج من الوصف الوارد في الآية للمؤمنين · ومن الأدلة في كتاب الله قوله تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (3) ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار (4) ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت