الصفحة 63 من 68

وكان من عادتي حين أصعد المنبر لأخطب خطبة الجمعة أن أعد الموضوع في ذهني ، لا أكتبه , لأنه ليس أقبح من خطيب يتلو خطبته من ورقة مكتوبة , يضع عينيه فيها لا ينظر إلى الناس ،بل يكلمهم معرضًا عنهم ، وأقبح منه من يفعل ذلك في الرائي ( أي التلفزيون ) وربما أعددت في ذهني موضوعين أتردد بينهما , أيهما أختار منهما ، حتى أن المؤذن بين يدي يصل إلى « حي على الصلاة وحي على الفلاح » وأنا لا أزال مترددًا في اختيار الموضوع ، ولكن الموضوعين في ذهني فإذا بدأت بأحدهما فتح الله علي ، وانطلقت أتكلم فيه , ولم أكن أنوي التعرض للحفلة لأنني تكلمت فيها وكتبت ، وحسبت أني أعذرت بذلك إلى ربي، ولكني لما بلغت الدعاء في آخر الخطبة ، خطرت على بالي الحفلة وما كان فيها، فخفت من الله أن يراني ساكتًا عن إنكارها ، وأن أكون شيطانًا أخرس ، وأنا لا أرضى لنفسي أن أكون شيطانًا ناطقًا بليغًا أفأرضى أن أكون شيطانًا وأخرس ؟ وأحسست أن شيئًا قد نبض في قلبي ، فهزه مثل هزة الكهرباء ، وسرى في أعصابي وعروقي ،وحين أحس بذلك أعلم أني إن تكلمت كان كلامي لله ، و أن الله لا يخذلني , وقع لي ذلك عشرات من المرات ،ما تخلى الله عني في واحدة منها , أما حين أتكلم للدنيا وأفكر في نفع أناله من كلامي ، أو ضرر أتحاشاه , إن تكلمت في هذه الحال لم يكن لكلامي أثر في نفوس السامعين , لما بلغت الدعاء قلت كلامًا صدقوا أنني لا أحفظه لأنني لم أعده ، ولم أرصفه ، وإنما تكلم به إيماني على لساني , قال السامعون لي بعد ذلك أنني قلت ما معناه: إن دمشق ظئر الإسلام ومثابة الأخلاق ، لا ترضى بما يخالف الإسلام ، ولا بما يذهب بمكارم الأخلاق ، كائنًا من كان قائله أو فاعله ، وكانت منزلته بين الناس ، وإن هذه الحفلة منكر وإنها حرام ، وإنها تنافي الإسلام ، وإن كل من حضرها ورضى بها آثم ، وإن الذي لا يغار على محارمه ديوث , وخرجت الكلمات من فمي كالرصاصات من المدفع الرشاش ، ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت