فهرس الكتاب
احتمل هذا الكلام كله دقيقتين اثنتين ,وشده السامعون أولًا، ثم خشعوا ثم اقتنعوا واستيقظت ضمائرهم المؤمنة ، وقرأت في الصلاة آيات قالوا إنها جاءت مناسبة للمقام ، لا أعرف الآن والله الذي قرأت يومئذ في الصلاة , وأقبل الناس علي بعدها داعين مهنئين ، خائفين علي فقلت لهم: إني فعلت ذلك لله ، والله لا يتخلى عمن يعمل له , ومشت كلمتي في الناس مشي الكهرباء تنتقل من أقصى البلد إلى أقصاها في لحظة ، فلم يمس المساء حتى كانت حديث الناس .
أما الحكومة فعلمت أنها فوجئت وغضبت ، ولكن لم تجد سبيلًا علي ، فأنا أتمتع بحصانات: بحصانة القضاء ، وحصانة الدين لأني أخطب خطبة الجمعة في بيت الله ، ومن ورائي الأمة المسلمة وآلاف من الشباب يدافعون عمن ينصر دين الله , فلم تجد الحكومة إلا أن تصب غضبها على رأس مذيعة ما لها ذنب ، أظن أن اسمها فاطمة البديري ، ولست أعرفها , لما سألوها قالت لهم: ماذا كنتم تريدون أن أصنع ؟ هل أقطع البث ؟ ( ونسيت أن أقول لكم إن الخطبة كانت تذاع من الإذاعة على الهواء ) , هل أقطع الخطبة والخطيب من رجال الدين ؟ ثم إنه قاضي البلد ، وماذا يقول سامعو الإذاعة ؟ ثم إن الأمر كله لم يمتد إلا أقل من دقيقتين ، لم أفق فيهما من دهشتي حتى أرجع إلى عقلي وأقدر ما ينبغي علي أن أفعل ؟ وعلى هذا الدفاع المخلص أوقعوا عليها العقاب , وانقسم الناس قسمين: أما أهل الدنيا وفيهم بعض الحاكمين وبعض الصحافيين فحملوا علي ، وكتبوا عني ما شاؤوا وشاء لهم هوى نفوسهم ، وقد قلت لكم من قبل شيئًا قد لا تصدقونه ولكنه حق ، هو أن الجرائد في الشام تعلق على جدار القصر العدلي، وأنه طالما وقع لي أن الجرائد كلها تحمل علي ، وتسبني بالعناوين الكبيرة ، وأنا أمر بها فلا ألتفت إليها ، وأدخل إلى المحكمة وأباشر عملي وأنساها كأنني ما رأيتها , وأقسم لكم لتصدقوا أنني إلى هذه الساعة لم أدر ما الذي كتبوه فيها.