فهرس الكتاب
(مَنْ سَأَلَ الله تَعَالَى الشَّهَادَةَ) أي: الموت شهيدًا.
(بِصِدْقٍ) من قلبه.
(بَلَّغَهُ) أي: أوصله.
(مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ) مجازاة له على صدقه.
1 -الحديث دليل على فضل الصدق وعظم منزلته، وأنها سبب لرفعة العمل وعلوه.
ذكر للإمام أحمد الصدق والإخلاص، فقال: بها ارتفع القوم.
2 -الحديث دليل على استحباب طلب الشهادة، ويدل لذلك:
أ- حديث الباب.
ب- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ) رواه مسلم.
ج-وعن أبي هريرة. قال: قال - صلى الله عليه وسلم - ( ... وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل) متفق عليه.
د- كان عمر يقول (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك) .
3 -هل من مات وهو يسأل الشهادة بصدق يأخذ نفس ما للشهيد من الثواب والأجر؟
في هذه المسألة تفصيل:
أولًا: من كان يجاهد في سبيل الله صادقًا محتسبًا، ويشارك في قتال الأعداء، ويرجو مِن الله أن يكتب له الشهادة، ولكن مع ذلك لم ينلها حقيقة، فمثله يكتب الله له أجر الشهيد كاملًا غير منقوص.
ثانيًا: من اتخذ الأسباب التي يملكها لنيل الشهادة، وسعى للمشاركة في الجهاد في سبيل الله، وسبق ذلك عزيمةٌ صادقةٌ، وسأل الله بإخلاص أن يكتب له هذه المرتبة، غير أنه حيل بينه وبين المشاركة الفعلية في الجهاد: فهذا يكتب الله له أجر الشهيد، ويعطيه مِن سعة فضله سبحانه ما يبلغ به أجر الشهداء.
ثالثًا: وأما من نوى الجهاد في سبيل الله نية مجردة عن اتخاذ الأسباب والسعي التام لنيل الشهادة، فهذا له أجر نيته فقط، وليس له أجر الشهيد الذي قُتل في المعركة.
يقول ابن القيم رحمه الله: بل هذا النوع منقسم إلى:
أولًا: معذور من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد، وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية.
وهذا لأن قاعدة الشريعة: أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) .
وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنماري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي في ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأحسن المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الأجر سواءٌ، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو لا يتقى في ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأسوأ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الوزر سواءٌ) .
فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن وزر الفاعل والناوي الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ؛ لأنه أتى بالنية ومقدورِه التام، وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته، وكذلك المقتول الذي سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التي اقترن بها مقدورها من السعي والحركة.